الصفحة 10 من 278

إذا كان خروج العرب من القفر، ومن غمر البداوة، إلى حياة الظفر الباهر، وإقدامهم في قلة من العدد ونقص في الموارد والأهلية، على غزو دولتين من أعظم دول العالم القديم، وأشدها منعة، وأوفرها أهبة وموارد، هما الدولتان الفارسية والرومانية، وإقامتهم في أقل من قرن دولة عظيمة شامخة فوق أنقاض ما هدموا من صروح العالم القديم وغنموا من أقطاره:

إذا كان ذلك ظاهرة مدهشة من ظواهر التاريخ، فإن ظفر الإسلام بالأديان القديمة، وإجتياحه للشعوب المفتوحة بسرعة خارقة، ظاهرة من أغرب ظواهر التاريخ أيضا. وإذا كان ظفر العرب يرجع من بعض الوجوه إلى ظروف و عوامل خارجة عن إرادتهم وتدبيرهم، فكذلك يرجع ظفر الإسلام من بعض الوجوه إلى ظروف الشعوب المفتوحة، وإلى أحوال المجتمعات الجديدة، التي انضوت تحت لواء الإسلام، وإلى خواصها النفسية والاجتماعية

اليس في صحف الدعوة الإسلامية شيء من تلك السير والمطاردات الدموية، التي اقترنت بظهور معظم الأديان القديمة، والتي نراها مائلة بالأخص في عصور النصرانية الأولى. وقد انتشرت الدعوة الإسلامية بوسائلها السلمية الخاصة، وكان ظفرها أعظم ما سجل تاريخ الأديان والعقائد.

يقول المؤرخ فون جوت شميت: «إن الإقبال العام على اعتناق دين جديد على أثر فتح أجنبي، أمر لا يكاد يعرفه العصر القديم، ولكن الإسلام يقف وحيدا في هذا الفوز

ويقول دوزي: «إن هذه الظاهرة تبدو لأول وهلة لغزا غريبا، ولاسيما متي علمنا أن الدين الجديد لم يفرض فرضا على أحده، والواقع أن الدعوة الإسلامية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت