الصفحة 156 من 278

كان القرن التاسع الميلادي (القرن الثالث الهجري) عصر السيادة البحرية الإسلامية، وكان البحر الأبيض المتوسط (بحر الروم) بما تغص به شواطئه في الشرق والجنوب والغرب من الثغور الإسلامية القوية، ميدان هذه السيادة، وقد بدأ العرب معاركهم البحرية الأولى في تردد وروعة من البحر وأمواله، ولكنهم بدأوها إبان فورة الفتح الأولى.

ولم يمض سوى نصف قرن حتى كان البحر لهم كاليابسة محط الغزوات والفتوح الجريئة. ومنذ خلافة عثمان خرج العرب إلى البحر في أساطيل وحملات قوية ليفتحوا الجزائر القريبة من الشواطئ الإسلامية، ففي سنة 28 أو 29 ه (148 م) غزا معاوية بن أبي سفيان جزيرة قبرص وفرض عليها الجزية، وفي سنة 32 هسار إليها ثانية في أسطول ضخم وافتحها.

وفي خلافة معاوية غزا العرب صقلية لأول مرة، وافتتحوا جزيرة رودس وفي خلافة الوليد بن عبد الملك، غزوا إقريطش وصقلية وسردانية، وافتتحوا

جزائر البليار (ميورتة ومنورة ويابسة) . وكانت حملات قسطنطينية، وما سيرته الخلافة لحصارها من الأساطيل الضخمة والقوى الجرارة، من أعلم الحملات البحرية التي عرفت في تلك العصور.

ومازلت الحملات البحرية الإسلامية في قوة وإزدياد، حتى إذا كانت فاتحة القرن التاسع، كان المسلمون سادة البحر يقبضون على ناصية المياه الجنوبية والوسطى في ذلك البحر الشاسع الذي يتوسط العالم القديم، ويشرف عليه من كل نواحيه. وكانت دول العالم القديم ومجتمعاته تعاني يومئذ نوعا من الاضطراب العام، فالحرب الأهلية تكاد تفشي كل أمة، وقد أخذت عوامل الإنحلال التي أصابت الدولة البيزنطية وحضارتها، تتسرب أيضا إلى الدول الإسلامية، ودولة الفرنج القوية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت