القبائل الجرمانية الغازية كانت تستائر بالحكم والرياسة، وتكون وحدها مجتمعة منعزلا، لبثت تسوده الخشونة والبداوة أحقابة، قبل أن يتاثر بمدنية بومة وتراثها الفكري والاجتماعي.
وكان اعتناق الفرنج للنصرانية منذ عصر كلوفيس، أكبر عامل في تطور هذه القبائل وتهذيب عقليتها الوثنية وتقاليدها الوحشية. ثم كان استقرارها بعد حين في الأرض المفتوحة، وتوطد سلطانها، وتمتعها بالنعماء والثراء بعد طول المغامرة والتجول وشظف العيش، وحرصها على حياة الدعة والرخاء، عوامل قوية في إنحلال عصبيتها الحربية، وفتور شغفها بالغزو، وإذكاء رغبتها في الاستعمار والبقاء
وهكذا كانت القبائل الجرمانية التي عبرت الرين تحت لواء الفرنج واستقرت في غاليس، قد تطورت في أوائل القرن الثامن إلى مجتمع مستقر متماسك، ولم تكن غاليس. قد استحالت عندئذ إلى فرنسا، ولكن جنور فرنسا المستقبلة كانت قد وضعت، وهيئت الأسباب والعوامل لنشوء الأمة الفرنسية. بيد أن هذا المجتمع رغم تمتعه بنوع من الاستقرار والتماسك، كان وقت ان نفذ العرب إلى فرنسا فريسة الإنحلال والتفكك >
وكان الخلاف يمزقه كما بينا. وكانت أكوتين وباقي فرنسا الجنوبية في أبدى جماعة من الأمراء والزعماء المحليين، الذين انتهزوا ضعف السلطة المركزية فاستقلوا بما في أيديهم من الأقاليم والمدن.
ثم كانت القبائل الجرمانية الوثنية فيما وراء الرين من جهة أخرى، تحاول اقتحام النهر من أن لاخر وتهدد بالقضاء على مملكة الفرنج. فكان الفرنج يشغلون برد هذه المحاولات، ويقتحمون النهر بين أونة وأخرى لدرء هذا الخطر وإرغام القبائل الوثنية على اعتناق النصرانية.