قد زحف على مصر، وداعبته الأمال في الاستيلاء عليها، وسقط من الحساب كقوة عسكرية، وكانت مصاعب التموين والامتداد الهائل للمسافات هي الأسباب الرئيسية لتأخير زحف قواتنا نحو الغرب.
وهكذا، كان العام يقترب من نهايند، والصورة أمامنا تننازع جوانبها مختلف الأضواء والظلال في وقت واحد. فنحن لم نزل احياء، وقد استطعنا انزال الهزيمة بالسلاح الجوي الالماني، ورددنا الغزاة من بلادنا مدحورين - وأصبح جيشنا في الوطن في منتهى القوة والتفوق. ولم تستطيع كل المحن ان توهن من عزيمة لندن الصامدة، وبدأنا نسيطر تماما على سماء جزيرتنا بكافة الإمكانيات، لكن همسات الشيوعيين القذرة خضوعا لأوامر مرسكو ظلت تتردد على الأسماع، عن الحرب الاستعمارية الرأسمالية، ثم تموت علسي شفاههم، فالمصانع تفيض بالحيوية، والشعب باكمله پل ليل نهار، وقد ارتفعت روحه المعنوية، وتدفق في خيانه احساس بالارتياح والاعتزاز، وبدأ انصرنا النهائي، في صحراء ليبيا قريبا، كما بدأت الولايات المتحدة تقترب شيئا فشيئا من واجبها الحقيقي وهو الاشتراك الفعال معنا.
وفي مقدورنا أن هذه السنة المجيدة نادرة بمكاسبها، كما كانت مروعة بأحداثها، ولعلها اروع وارهب السنين في تاريخ انكلترا بأكمله .. فلقد حطمت بريطانيا العظمى بمهارتها الخاصة الأرمادا الأسبانية، وخاضت غمار الصراع الذي استمر زهاء خمسة وعشرين عاما، والذي خاضه ويليام الثالث ووزيره مارلبورو ضد لويس الرابع عشر، فظلت طيلة هذه المدة تشتعل في صدرها حمية العزيمة والإصرار، كما اقتحمنا حلبة الصراع ضد نابليون - وكنا ندين ببقائنا لسيطرة الأسطول البريطاني على البحار، بفضل القيادة الماهرة النبلسون ورفاقه، كما قتل مليون بريطاني في الحرب العالمية الأولى، ولكن كل هذه المحن التي ذقنا أهوالها لم تكن شيئا بجانب ما قاسينا في عام 1940.
وبرغم ذلك لم تأت نهاية العام حتى كانت الدنيا تشد هذه الجزيرة الصغيرة العريقة، بجميع شعوبها المؤمنة بها، ويستلكاتها المستقلة وعلاقاتها الناجحة تحت كل سماء، وقد أكدت أنها قادرة على تحمل كل ما ياتي بمصير العالم من اعياء وتبعات: ولم يعرف الضعف والتحير سبيله الينا: بل ظلت روح الشعب البريطاني، والعنصر البريطاني في قوة لا تغلب، وبرهن حصن جامعة الشعوب البريطانية والامبراطورية على أنه لا سبيل الى اقتحامه، وقررنا وحدنا - بتاييد كل القلوب الكريمة الطبية - أن نتحدى الطاغية وهو في قمة غروره وانتصاراته.