ووجه عتبة بن غزوان (242) إلى البصرة وقال له: يا عتبة! اني قد استعملتك على أرض الهند، وهي حومة من أحومة العدو، وأرجو أن يكفيك الله ما حولها ويعينك عليها؛ وقد كتبت إلى الحضرمي يمدك بعرفجة ابن هرثمة، وهو ذو مجاهدة ومكايدة للعدو، فأذا قدم عليك فأستشره؛ وادع إلى الله، فمن أجابك فاقبل منه، ومن أبى فالجزية، والا فالسيف؟ واتق الله فيما وليت، واياك أن تنازعك نفسك إلى كبر مما يفسد عليك إخوتك؛ وقد صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعززت به بعد الذلة، وقويت بعد الضعف، حتى صرت أميرة سلطة مطاعة: تقول فيسمع منك، وتأمر بطاع أمرك؛ فيالها نعمة ان لم ترفعك فوق قدرك، وتبطرك على من دونك؛ واحتفظ من النعمة احتفاظك من المعصية، ولهي أخوفهما عندي عليك أن تستدرجك وتخدعك فتسقط سقطة تصير بها إلى جهنم ... أعيذك بالله و نفسي من ذلك. ان الناس أسرعوا إلى الله حتى رفعت لهم الدنيا فأرادوها، فأرد الله ولا ترد الدنيا، واق مصارع الظالمين (243) .
هذه الوصية نموذج رفيع من الوصايا: اعطاء فكرة عن المنطقة، والتأكيد على الخطر المحدق، وتجميع للقوة درءا لذلك الخطر، وحث على الاستشارة، وتوضيح لتعاليم الفتح في الاسلام، وأمر بالتقوى والعدل، و نهي عن الكبر والبطر ...
وفي هذه الوصية، دليل على معرفة عمر لرجاله فردا فردا، من هو الرجل المناسب للعمل المناسب، وتلك مزية لعمر جعله لا يخطئ في اختيار الرجال لمعاونته في تحمل أعباء الحكم في الحرب وفي السلم، هذه المزية التي لم يكتب التاريخ لرجل دولة أن ينجح بدونها.
وسمع عمر بأعمال خالد بن الوليد في أرض الشام بعد عزله، و كان حينذاك يعمل فائدة مرؤوسة لأبي عبيدة بن الجراح، فهتف من أعماق قلبه:: أمر خالد نفسه! يرحم الله أبا بكر، هو كان أعلم بالرجال مني!،،
(242) انظر ترجمته في: قادة فتح العراق والجزيرة (377 - 389) .
(243) الطبري (9? / 3) وابن الأثير (188/ ?) 0