أن تعمل تلك القوات في ساحة أخرى أكثر أهمية من ساحات أرض الشام، خاصة بعد انکشاف الموقف في تلك الساحات، لأن المعارك المتوقعة فيها لا تزيد على معارك تعبوية هي من أجل استثمار الفوز الذي حققه: المسلمون في اليرموك وبعد فتح دمشق.
و کتب إلى سعد بن أبي وقاص بعد اختياره لحرب فارس: اذا انتهيت إلى القادسية، وهو منزل رغيب خصيب دونه قناطر وأنهار ممتعة، فتكون مسالحك (269) على أنقابها (270) ، ويكون الناس بين الحجر والمدر على حافات المدر والجراع (271) بنها، ثم الزم مكانك فلا تبرحه؛ فأنك اذا أحسود (272) أنغصتهم ورموك بجمعهم الذي يأتي على خيلهم ورجلهم وحدهم وجدهم، فان أنتم صبرتم لعدوكم واحتسبتم لقتاله وقويتم الأمانة، رجوت أن تنصروا عليهم، ثم لا يجتمع لكم مثلهم أيدة، الا أن يجمعوا وليست معهم قلوبهم. وان تكن الأخرى كان الحجر في أدبار کم فانصرفتم من أدني مدرة من أرضهم إلى أدنى حجر من أرضكم، ثم كنت عليهم أجرأ وبها أعلم، وكانوا عنها أجبن وبها أجهل، حتى يأتي الله بالفتح (273) .
ونلاحظ في هذه الخطة السوقية الفذة أمورة عسكرية كثيرة أهمها: أولا، ان عمر أصاب في معرفة المنطقة التي ستدور عليها المعركة الحاسمة، وهي القادسية. وثانية، ان معلوماته عن طبيعة أرض المعركة دقيقة جدا ..
(269) المسالح: جمع مسلحة، وهي الحامية الأمامية او المرکز الذي تقيم فيه قوة عسكرية وهما کالمخافر الحديثة.
(270) انقاب: جمع نقب، وهو الطريق في الجبل: انظر ترتيب القاموس المحيط (4/ 374) و المعجم الوسيط (90?/?) ، وهي تعني: الطرق التقربية للعدو إلى قوات المسلمين.
(271) الجراع جمع أجرع، وهي الأرض ذات الحزونة تشاكل الرمل: انظر المعجم الوسيط (118/ 1) .
(272) حس: حس الشيء حسة، استأصله و حسو"هم استأصلوهم"
(273) انظر عبقرية عمر (154) .