الصفحة 5 من 41

هناك على طريق أبها إلى الشرق، ينحرف الطريق يمينًا إلى الجنوب، كان هناك منزلي شقتان بينهما باب، بلا أسوار، وأمام البيت الخضروات والأشجار على امتداد النظر، وحوله عدة بيوت لأصحاب المزارع، وأمام البيوت ساحة فيها مسجد صغير.

اشتريت بعض العنزات مع أطفالها، وبعض الدجاجات حتى يتسلى أولادي بها.

كنت أصلي الفجر في المسجد، وأحمل سجادتي وترمس الشاي والقهوة، وأوراقي، وأجتاز المزارع لأخلص إلى المزارع القريبة

في المزارع، تحس أنك دخلت عالمًا جديدًا غير الذي كنت فيه، عالم من الأطياف الملائكية، صفاء ونور وسكون، وسون الجو ملهم الشعراء، في المزارع، كل شيء جميل ومهيب، تشعر أن المزرعة كائن حي وأن الأشجار مخلوقات صامتة مؤنسة، تحس أنها تتنفس عطرًا.

المزرعة صامتة، ولكن الزيز يعزف على قيثارته والنحل لا يلتفت له، لا يفكر فيه ولا يستمع إليه فقد انصرف إلى مهمته التي خلقه الله لأجلها، ليحول الرحيق من الأزهار بإذن الله الخالق، إلى شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس.

أما النمل فقد كان الزيز يستوقفه ليسمع أنغامه، فيرد عليه: أنا رمز الجد والعمل، في الشتاء، لا تطرق بابي لا تسألني طعامًا أيها الكسول.

أما البلبل؛ فإنه يسمعك أعذب الألحان فرحًا بقدومك، يرسل إليك ألحانه معطرة بعطر الأزهار ..

في هذا الجو في تلك المزرعة، وجدت صفاء الذهن الذي كنت أضعته في زحمة الحياة، هنا في مزارع أبها، جئت أبحث عن الصفاء، إذا به هو الذي يبحث عني؛ لقد كانت الحال الشعورية تشبه الحلم الجميل، أخذت أغني مع البلبل، وأقلد ألحانه وأنغامه، وكأنني سمعته يرحب بي و يقول:

أما الفراشات فكانت لا تخاف مني، بل كانت تقف على يدي، فكنت أسألها: ما أنعمك يا فراشة! ما أحلاك يا فراشة، من الذي زينك؟ فكانت تقول بلسان حالها: الله هو الذي خلقني وزينني.

وقلت للبلبل بعد أن غنى، ما أجمل ريشك!، وما أجمل صوتك! من الذي زين ريشك؟ ومن الذي أهداك هذا الصوت الجميل؟ فقال البلبل: الله الذي خلقني، هو الذي أهداني هذا الريش الجميل والصوت الجميل.

وسألت الأزهار: من أين هذا اللون الأحمر والأبيض والأصفر، وهذه الألوان الجميلة؟ ومن أين هذا العطر الذي لم أشم في حياتي أجمل منه؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت