الصفحة 8 من 41

في أثناء صياغة ملحمتي بدر، اخترت أبها مصطافًا، ولما كنت بسيارتي نازلًا من أبها إلى خميس مشيط، أردت أن أتسوق من المواد الغذائية، و (السوبر ماركت) على شمال الطريق، توجهت إليه، فرأيت البائع شابًا في مقتبل العمر بشوشًا، أحسست أن ابتسامته فطرية ريا، وليست كالابتسامة التجارية الجافة الدبلوماسية المصطنعة، لا تخالط النفس، ولا تندي الوجدان.

سلمت عليه، وسألته عن اسمه فقال: اسمي مشافي العسيري، وقال: مصطفى الشقفة أستاذي في اللغة العربية. قلت: هذا ابن خالتي، كان مديرًا لثانوية ابن رشد كبرى ثانويات مدينتي حماة، وكنت مدرسًا فيها، وأحب أن أراه. وسألته: ألا يوجد حولكم متنزهات؟ قال: بلى، وأشار إلى الطريق خلفه وقال: فيها جدول ماء.

شكرته وأردت أن أستأذن فقال: لا، أنت اليوم ضيفنا، وسأدعو أستاذي مصطفى، فقلت: لعلنا نلتقي قريبًا إن شاء الله.

كنت وحدي، وتركت سيارتي، وسرت على أقدامي في طريق صاعدة في هضبة خفيفة الارتفاع، والطريق بصرة، أي أن حجارته كلسية رخوة , وأنا في فج تحيط به الأشجار، ورأيت جدول الماء ينساب نازلًا وأنا صاعد، ومن باب التداعي تذكرت هذه الطرفة التي رواها الشاعر أحمد رامي شاعر أغنية أم كلثوم يقول: كنا في الفيلا؛ أنا في الدور الأول وأم كلثوم في الدور الأرضي وهي تهم بالصعود، ولما ناداني أصحابي: هيا يا أحمد انزل، لقد أخرتنا، فقلت: كيف أنزل وروحي - أم كلثوم - طالعه؟.

الغابة مخيفة، ومخيفة أكثر، إذا كنت وحدك، وهي رائعة، ورائعة أكثر، إذا كنت وحدك، لأنها تلقي إليك بكنوزها، دون أن ينازعك فيها أحد بأن يشغلك عن تجليات الجلال والجمال فيها. الانفراد في الغابة يذيبك فيها فتنسى نفسك، ويذيبها فيك، وتشعر أن الأشجار حرس الشرف، وقف بهيبته وجماله لاستقبالك.

سكون الغابة وحي ناطق لا يستجيب له إلا الزيز يعزف ألحانه على قيثارته، فيأبى البلبل إلا أن يشاركه الغناء، وتأتي القماري والبلابل والعصافير، والطيور والزرازير، ليقيموا مهرجان عرس الغابة، لا يشاركهم في هذا المهرجان إلا الشاعر، وانفردنا؛ أنا والغابة وحيدين:

الأيك في الغابات كالعذراء خجلى ما لها؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت