فقالت الزهرات بلسان واحد: الله هو الذي أنبتنا وهدانا هذه الألوان الجميلة والعطر الجميل.
وسألت الأشجار وسألت المروج وسألت الشلال وسألت جدول الماء الذي يجري أمامي: من الذي خلق الغابة؟ من الذي خلق هذا الجمال كله؟ فقالت كلها بصوت واحد: الله، هو الذي خلقنا لنسعد الإنسان.
في أثناء صياغتي ملحمة بدر، كنت كل سنة أمضي المصيف في أبها، سكنت في بيت على أهداب المدينة، وكنت أستطلع مرابع الغابات حولها، إلى أن دفعتني الأقدار إلى (الواديين) .
سرت بسيارتي بعد صلاة الفجر، والبكور في الكون هدية الله تعالى إلى النفوس يهبها الصفاء والعافية.
وفي البكور، يتجلى جمال الله تعالى على الكون، فيغدو الوجود أروع ما يكون.
كانت السيارة تسير مطمئنة، تتهادى في سيرها الهوينى، وكأنها أحست معي بروعة الكون في هذا الصباح.
وكان الطريق ترابيًا رمليًا، والسيارة تسير بين الأشجار على جانبي الطريق، وكأنني في تركيا، في يلوا في طريقي إلى مصيف كوخ شدرة، والسيارة تسير والكون يصحو، والغابة تتنفس متفجرة بالحيوية والحياة، فالبلبل يسلم عليك مرحبًا بك ضيفًا عزيزًا على غابته، والأزهار تبثك رسائل حب لم تصغها قصائد شاعر
والسيارة تسير، فقال لي ولدي اليمان: يا أبي انتبه للطريق، وكنت كالحاضر الغائب. و توقفت السيارة.
نفضت رأسي، وكأني كنت في غيبوبة، أوكأنني أستيقظ من حلم حاولت التلطف مع سيارتي متقدمًا قليلًا، فأبت علي ذلك، وأعدت المحاولة، فرأيتها تصر على موقفها، غيرت الاتجاه لأخدعها، لأشعرها أنني أهم بالعودة، مراعاة لمشاعرها إذا لم يعجبها الطريق وحاولت أن أرجع إلى الخلف، فكانت تخدعني بأن جعلت عجلتها تدور، ولكن في المكان نفسه، كأنها تلقت أمرًا (مكانك سر) أيتها العجلة لماذا تضحكين على ذقني وتوهمينني بالمسير، كفاك لفًا ودورانًا.