الصفحة 18 من 28

إشكال وجوابه [1] :

ظاهر هذا الحديث - وكذا ما قبله - مشكِل؛ لأنه يتعارض مع بعض أصول الشريعة وقواعدها المقررة، وهي: أن الله - عز وجل - لا يؤاخذ أحدًا بذنب غيره، كمثل قوله - عز وجل: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164] ، فما وجه تعذيبه ببكاء غيره؟! كما أن مؤاخذته ببكاء غيره قد يظن منها، أو يفهم منها من لا يعلم، أنها من أخذ الإنسان بذنب غيره؟

وقبل أن أجيب لا بد من معرفة أنه لا يجوز رد هذه الأحاديث الصحيحة بحجة أنها تعارض القرآن، ولا سيما إذا كان هذا التعارض في عقول آحاد الناس، فكيف والجواب عليها سهل ممكن من وجوه، والجمع بينها غير متعذر - كما سترى - وقد نبه على هذا جماعة من المحققين [2] .

وقد اختلف العلماء في الجواب عن ذلك على جملة من الأقوال، نذكرها حسبما وقفنا عليه، وإن كان بعضها يتعلق ببعض، ويشبهه إلى حد ما، ومنها:

الأول: أن الحديث محمول على من أوصى بالنوح عليه؛ لأنه إذا كان أوصى بأن يناح عليه، فتعذيبه بسبب أنه أوصى بالمنكر؛ وذلك من فعله لا فعل غيره، فيعذب حينئذ بفعل نفسه لا بفعل غيره، وقالوا: وكان معروفًا للقدماء، حتى قال طرَفة بن العبد:

إذا مِتُّ فانعَيْني بما أنا أهلُه = وشُقِّي عليَّ الجيبَ يا ابنةَ معبدِ

وبهذا قال المزني [3] ، وإبراهيم الحربي، وآخرون من الشافعية وغيرهم، حتى قال أبو الليث السمرقندي: إنه قول عامة أهل العلم، وعزاه النووي في شرحه لمسلم لجمهور أهل العلم، وكذا

(1) انظر التمهيد (17/ 274) ، والاستذكار (3/ 70) لابن عبدالبر، إكمال المعلم شرح صحيح مسلم (3/ 201) للقاضي عياض، وشرح مسلم (6/ 228) للنووي، ومعالم السنن (1/ 265) للخطابي، وشرح مسلم (6/ 228) ، وفتح الباري (3/ 154) ، وتنوير الحوالك (1/ 183) للسيوطي، وتفسير القرطبي (10/ 231) ، الدين الخالص (1/ 287) ، ومجموع الفتاوى (24/ 369) ، والفتاوى الكبرى (3/ 419) ، وتهذيب سنن أبي داود (8/ 279) ، وشرح السنة (5/ 442) ، وسبل السلام (2/ 116) ، وأضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (3/ 64) ، والعواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم (7/ 276) ، وأحكام الجنائز (ص: 28 - 29) ، وسلسلة الأحاديث الصحيحة (8/ 77) رقم: (3511) .

(2) انظر على سبيل المثال: ما قاله العلامة ابن القيم في الصواعق المرسلة (3/ 1059) .

(3) قال المزني:"بلغهم أنهم كانوا يوصون بالبكاء عليهم، أو بالنياحة، وهي معصية، ومَن أمَر بها ففعلت بعده كانت له ذَنْبًا، فيجوز أن يجازى بذنبه ذلك عذابًا، والله أعلم"؛ الاستذكار (3/ 72) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت