فعل السبكي، والصنعاني، وهو القول الذي عليه جماهير الفقهاء [1] ، وقال الألباني: إنه أقرب إلى الصواب [2] ، والله أعلم، وقد قال النووي في شرحه لمسلم - في ختام سرده للأقوال التي ذكرها:"والصحيح من هذه الأقوال ما قدمناه عن الجمهور"، على أن ابن القيم ضعفه من ثلاثة أوجه، كما في تهذيبه لسنن أبي داود، وهي:
الأول: أن اللفظ عام.
الثاني: أن عمرَ والصحابة فهموا منه حصولَ ذلك وإن لم يوصِ به.
الثالث: أن الوصية بذلك حرامٌ، يستحق بها التعذيب، نِيحَ عليه أم لا، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما علَّق التعذيبَ بالنياحة لا بالوصية.
الثاني: أن يُمدَح الميتُ في ذلك البكاءِ بما كان يمدح به أهل الجاهلية، أو نحوه من الفتكات، والغدرات، والغارات، والقدرة على الظلم؛ وذلك أن من شأن نساء الجاهلية أن يندُبْن الميت ويمدَحْنَه - غالبًا - بالأمور المنهيَّة؛ كقتله الناس، وظلمه لهم، وتسلطه عليهم، وشبه ذلك من الأفعال التي هي عند الله ذنوب، فهم يبكونه لفقدها، ويمدحونه بها، وهو يعذب من أجلها، فكأنه قال: يعذب بما يُبكَى عليه، به ومن أجله، وهو قول ابن حزم [3] ، وطائفة.
الثالث: أن يُهمِل نهيَهم عن النوح عليه قبل موته، مع أنه يعلم أنهم سينوحون عليه، ويشقون الجيوب، ويلطمون الخدود؛ فتعذيبه كان بسبب تفريطه، وعدم تنفيذه لقوله - عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [التحريم: 6] ، وتركه ما أمر الله به من قوله: {قُوا أَنْفُسَكُمْ} ، وهذا الاستدلال ظاهرٌ كما قال الشنقيطي، وقد عزا هذا القول القرطبيُّ إلى داود الظاهري، وقال به جماعة، كما قال صاحب الدين الخالص، وقال ابن تيمية:"وهو اختيار طائفة: منهم جدي أبو البركات"، قلت - بكرٌ: ويمكن أن ينسب إلى ابن المبارك؛ لأنه قال:"أرجو إن كان ينهاهم في حياته ألا يكون عليه من ذلك شيء" [4] ، والله أعلم، وهو الظاهر من قول المباركفوري - معقبًا على قول ابن المبارك:
(1) انظر: المجموع (5/ 308) ، والبناية شرح الهداية (2/ 1044) ، والاستذكار (8/ 322) ، وكشاف القناع (2/ 163،164) .
(2) وكذا حكَم - بالقرب إلى الصواب - على القول العاشر.
(3) المحلى (5/ 148) .
(4) جامع الترمذي (3/ 326)