"وهذا هو رجائي" [1] ، كما أن هذا القول لم يذكر غيره الألباني في الصحيحة [2] ، وإن كان أشار إلى أن هناك أقوالًا أخرى، مما يدل على أنه لم يكن في صدد الترجيح، كما فعل في أحكام الجنائز وغيرها، وإنما كان في صدد بيان أن هناك أوجهًا للجمع لا بد من أن يصار إليها، وهو المتعين، دون رد الأحاديث، والله أعلم.
الرابع: أن العذاب يكون على النياحة، وشق الجيوب، ولطم الخدود، ونحوه من أنواع النياحة، وأما بكاء العين فلا، واستدل أصحاب هذا القول بحديث عبدالرحمن بن عوف - رضي الله عنه - قال: أخذ النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم بيدي، فانطلقت معه إلى إبراهيم ابنه، وهو يجود بنفسه، فأخَذه النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حجره حتى خرجت نفسُه، قال: فوضعه وبكى، قال: فقلت: تبكي يا رسول الله وأنت تنهى عن البكاء؟ قال: (( إني لم أَنْهَ عن البكاء، ولكني نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند نغمة: لهو ولعب، ومزامير الشيطان، وصوت عند مصيبة: لطم وجوه، وشق جيوب، وهذه رحمة، ومن لا يرحم لا يرحم، ولولا أنه وعد صادق، وقول حق، وأن يلحق أولنا بآخرنا، لحزنَّا عليك حزنًا أشد من هذا، وإنا بك يا إبراهيمُ لمحزونون، تبكي العين، ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب ) ) [3] ، وقد صح هذا القول عن عمر بن الخطاب، وابنه عبدالله، والمغيرة بن شعبة، وعمران بن الحصين - رضي الله عنهم أجمعين [4] ، وهذا ظاهر كلام ابن عبدالبر، ورجحه ابن القيم [5] ، وصِديق حسن خان في الروضة الندية [6] ، وابن باز [7] ، وقد حكى الإجماع عليه غير واحد، وفي ذلك قال الناظم [8] :
وخبر الميت يعذب بالبكا = يُحمَل فيمن كان يرضى ذلكا
(1) تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي (4/ 13) 0
(2) (8/ 77) رقم: (3511) ،
(3) أخرجه الحاكم (4/ 40) وسكت عنه الحاكم والذهبي، وقال الألباني:"ورجال إسناده ثقات، إلا أن ابن أبي ليلى سيئ الحفظ، فمثله يستشهد به ويعتضد"؛ انظر: الصحيحة (1/ 714) تحت الحديث رقم: (427) .
(4) انظر: نيل الأوطار (4/ 104، 105) ، وفتح الباري (3/ 118، 155) ، والاستذكار (8/ 322) ، وعون المعبود (8/ 402) ، والمغني (2/ 412) .
(5) عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين (ص: 83) ، وانظر للفائدة: ما سيأتي تحت الجواب العاشر.
(7) مجموع فتاوى العلامة عبدالعزيز بن باز رحمه الله (13/ 418) .
(8) هو حافظ بن أحمد الحكمي في السبل السوية لفقه السنن المروية (ص: 22) .