والحظر في اللسان واليدين = لا حُزن القلب ودمع العين
الخامس: أن الحديث حادثة عين، وأن أحدًا لا يعذب بفعل غيره، أولًا: لأنه أمرٌ مجمع عليه؛ لقول الله - عز وجل: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164] ، وثانيًا: لقوله صلى الله عليه وآله وسلم لأبي رمثة - رضي الله عنه - في ابنه: (( إنك لا تجني عليه، ولا يجني عليك ) ) [1] ، كما استدلوا - أيضًا - بأن الراوي سمع بعض الحديث ولم يسمع بعضه، وأن اللام في الميت لمعهود معيَّن، وجزم به القاضي أبو بكر الباقلاني وغيره؛ لحديث عائشة - رضي الله عنها: ذكر لها أن عبدالله بن عمر - رضي الله عنهما - يقول: إن الميت ليعذب ببكاء الحي، فقالت عائشة - رضي الله عنها: يغفر الله لأبي عبدالرحمن، أما إنه لم يكذِب، ولكنه نسي أو أخطأ، إنما مر رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم على يهودية يُبكى عليها، فقال: (( إنهم ليبكون عليها، وإنها لتعذَّب في قبرها ) ) [2] ، فذكرتِ الحديث.
وهذا ما ذهبت إليه عائشة - رضي الله عنها - وأبو هريرة - رضي الله عنه - كما هو ظاهر قوله - إن صح:"والله لئن انطلق رجل محاربًا في سبيل الله، ثم قُتل في قُطر من أقطار الأرض شهيدًا، فعمدت امرأة سفهًا أو جهلًا، فبكت عليه - ليعذَّبن هذا الشهيد ببكاء هذه السفيهة عليه!" [3] ، وقال به جماعة، واختاره جماعة من الشافعية، منهم: أبو حامد.
السادس: أن المراد أن بَدْءَ عذاب الميت يقع عند بكاء أهله عليه، واستدلوا: أن الباء ليست باء السببية، وإنما هي باء المصاحبة، والمعنى: يعذب مع بكاء أهله عليه؛ أي: يجتمع بكاء أهله وعذابه؛ كقولهم: خرج زيد بسلاحه؛ قال تعالى: {وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ} [المائدة: 61] ، وقد رد هذا القولَ ابنُ القيم فقال - كما في تهذيبه لسنن أبي داود - وقال:"وهذا المسلك باطل قطعًا؛ فإنه ليس كل ميت يعذب، ولأن هذا اللفظ لا يدل إلا على السببية، كما فهمه أعظمُ الناس فهمًا؛ ولهذا ردته عائشة لما فهمت منه السببية؛ لأن اللفظ"
(1) أخرجه النسائي (2/ 251) ، وأحمد (2/ 226 - 228) ، و (4/ 163) ، وهو حديث صحيح؛ انظر: الصحيحة (2/ 248) رقم: (749) .
(2) أخرجه مسلم رقم: (932) .
(3) أخرجه أبو يعلى الموصلي في مسنده (2/ 165) ، سكت عنه الحافظ في الفتح (3/ 154) ، وقلده الشوكاني في النيل (4/ 155) ، وهو لا يصح، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (3/ 28) :"رواه أبو يعلى، وفيه من لا يُعرف".