الآخرَ الصحيح الذي رواه المغيرة يبطل هذا التأويل، ولأن الإخبار بمقارنة عذاب الميت المستحق للعذاب لبكاء أهله، لا فائدة فيه"."
وقال بعضهم - يدلل عليه: إن قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (( ببكاء ) )أن الباء: باء الحال؛ أي: إن مبدأ عذاب الميت يقع عند بكاء أهله عليه؛ وذلك أن شدة بكائهم غالبًا إنما تقع عند دفنه، وفي تلك الحالة يسأل ويبتدأ به عذاب القبر، فكأن معنى الحديث: أن الميت يعذب حالة بكاء أهله عليه، ولا يلزم من ذلك أن يكون بكاؤهم سببًا لتعذيبه؛ قال الحافظ:"حكاه الخطابي، ولا يخفى ما فيه من التكلف".
السابع: قال بعضهم: إنه يختص ذلك بالكافر دون المؤمن، واستدلوا بحديث: أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال: (( إن الكافر ليزيده الله - عز وجل - ببكاء أهله عذابًا ) ) [1] .
الثامن: وقال بعضهم: معنى التعذيب: توبيخ الملائكة له؛ لِما روي عن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (( الميت يعذب ببكاء الحي عليه، إذا قالت النائحة: واعضداه، واناصراه، واكاسباه، جبذ الميت، وقيل له: أنت عضدها، أنت ناصرها، أنت كاسبها ) ) [2] ، وما رواه الترمذي [3] عن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (( ما من ميت يموت فيقوم باكيه، فيقول: واجبلاه! واسيداه! أو نحو ذلك، إلا وكل به ملكان يلهزانه، أهكذا كنت؟ ) )، وما رواه البخاري [4] عن النعمان بن بشير - رضي الله عنهما - قال:"أغمي على عبدالله بن رواحة، فجعلت أخته عمرة تبكي: واجبلاه، واكذا وكذا، تعدد عليه، فقال - حين أفاق: ما قلتِ شيئًا إلا قيل لي: آنت كذلك؟!"، وقال أبو هريرة - رضي الله عنه:"إن أعمالكم تعرض"
(1) أخرجه البخاري رقم: (1287) و (1288) ، ومسلم رقم: (929) .
(2) أخرجه أحمد (4/ 414) ، والحاكم (2/ 471) وقال:"صحيح الإسناد"، وسكت عنه الذهبي! وقال الألباني:"قلت: زهير بن محمد، هو: أبو المنذر الخراساني الشامي، وهو ضعيف، وقد جاء الحديث من طرق عن جمع من الصحابة، بدون هذه الزيادة: (( إذا قالت النائحة: ... ) )، فتفرده بها مما لا يحتمل"؛ سلسلة الأحاديث الضعيفة (7/ 141) رقم: (3151) .
(3) رقم: (1003) ، وحسنه الألباني.
(4) رقم: (4019) .