السيوطي في تنوير الحوالك:"وإليه ذهب ابن جرير، ورجحه القاضي عياض"، وذكره أبو الطيب محمد صديق خان، وقال: إنه يحتمل، ونقله عنه محمد رشيد رضا [1] .
قال ابن تيمية - مرجحًا ومستدلًّا له ومضعفًا ما سواه - إنه:"لم يقل صلى الله عليه وآله وسلم: إن الميت يعاقب ببكاء أهله عليه، بل قال: (( يعذب ) )، والعذاب أعم من العقاب؛ فإن العذاب هو الألم، وليس كل من تألم بسببٍ كان ذلك عقابًا له على ذلك السبب؛ فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (( السفر قطعة من العذاب؛ يمنع أحدكم طعامه وشرابه ) )، فسمى السفر عذابًا، وليس هو عقابًا على ذنب، والإنسان يعذَّب بالأمور المكروهة التي يشعر بها، مثل: الأصوات الهائلة، والأرواح الخبيثة، والصور القبيحة؛ فهو يتعذب بسماع هذا، وشمِّ هذا، ورؤية هذا، ولم يكن ذلك عملًا له عوقب عليه، فكيف ينكر أن يعذب الميت بالنياحة، وإن لم تكن النياحة عملًا له يعاقب عليه؟ والإنسان في قبره يعذب بكلام بعض الناس، ويتألم برؤية بعضهم، وبسماع كلامه" [2] ، ورجحه - أيضًا - ابن القيم في تهذيبه لسنن أبي داود، وقال:"وهذا أصح ما قيل في الحديث" [3] ، كما رجحه ابن عثيمين في جملة من شروحه وكتبه [4] ، وهو القول الثاني الذي حكم عليه الألباني - أيضًا - بأنه أقربُ إلى الصواب [5] .
العاشر: وحكى الكرماني تفصيلًا آخر - وحسنه: وهو التفرقة بين حال البرزخ وحال يوم القيامة، فيحمل قوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} على يوم القيامة، وهذا الحديث وما أشبهه على البرزخ، قال الحافظ:"ويؤيد ذلك أن مثل ذلك يقع في الدنيا، والإشارة إليه بقوله تعالى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} [الأنفال: 25] ؛ فإنها دالَّة على جواز وقوع التعذيب على الإنسان بما ليس له فيه تسبب، فكذلك يمكن أن يكون الحال في البرزخ بخلاف يوم القيامة، والله أعلم"، وقد ذكره القاسمي في محاسن التأويل، ونسبه لبعض الزيدية.
الحادي عشر: أن التعذيب إنما يعنُّ إذا كان البكاء من سنة الميت وطريقته، وقد أقر عليه أهله في حياته، فيعذَّب لذلك، وأنه كان بسببه، كما كانت العرب تفعل، وحاصله: أنه قد يعذب العبد
(1) فتح البيان في مقاصد القرآن (11/ 346) ، وتفسير المنار (8/ 218) .
(2) مجموع الفتاوى (24/ 374 - 375) ، والفتاوى الكبرى (3/ 423) .
(3) على أنه رجح في عدة الصابرين (ص: 83) : أنه يحمل على البكاء الذي معه ندب ونياحة.
(4) انظر مثلًا: القول المفيد على كتاب التوحيد (2/ 442) .
(5) انظر ما تقدم في القول الأول.