الصفحة 25 من 28

بفعل غيره إذا كان له فيه سبب، نسبه الصنعاني في سبل السلام [1] : للبخاري، فإنه ترجم عليه وقال:"إذا كان النَّوحُ من سننه"، موافقًا لما فعله ابن القيم في تهذيب سنن أبي داود، لكن ابن القيم زاد أمرًا آخر فقال:"وهو قريب من الأول"، وهو قول من قال: بأنه يعذب إذا أوصاهم، الذي كان ضعفه من أوجه ثلاثة، وقد قال بهذا القول - أعني: قول البخاري - ابنُ عطية الأندلسي في المحرَّر الوجيز [2] .

الثاني عشر: وقيل: المراد بالميت: المحتضَر مجازًا، وبالتعذيب: التعذيب في الدنيا؛ أي: إن المحتضَر يتألم ببكاء أهله عليه، فلا ينبغي أن يبكوا [3] .

الثالث عشر: أنه يجوز في البرزخ ما يجور في دار التكليف من الامتحان بالآلام، والأمور المشتبهة، وقد أجمعت الأمة: على أن ذرية المشركين الذين لم يذنبوا يلحقهم الرِّق في الدنيا بسبب كفر آبائهم، ويتمشى تأويل هذا على كل مذهب؛ فإنه لم يخرج مخرج العقوبة لمن لا ذنب له بذنب غيره، وكذلك تعذيب الميت ببكاء أهله ليس فيه تصريحٌ بأنه عقوبة له، ومنتهى ما فيه دخول الباء، فلا يدل على العقوبة؛ كاسترقاق الذرية بكفر آبائهم، وهذا ذكره ابن الوزير في العواصم [4] ، ثم دلل عليه، فليرجع إليه من يريد.

قال الحافظ:"ويحتمل أن يجمع بين هذه التوجيهات، فينزل على اختلاف الأشخاص، بأن يقال مثلًا: من كانت طريقته النوح فمشى أهله على طريقته، أو بالغ بذلك، عذِّب بصنعه، ومن كان ظالمًا فندب بأفعاله الجائرة، عذب بما ندب به، ومن كان يعرف من أهله النياحة فأهمل نهيهم عنها، فإن كان راضيًا بذلك التحق بالأول، وإن كان غير راض عذب بالتوبيخ، كيف أهمل النهي؟! ومن سلِم من ذلك كله، واحتاط فنهى أهله عن المعصية، ثم خالفوه وفعلوا ذلك، كان تعذيبه تألمه بما يراه منهم من مخالفة أمره، وإقدامهم على معصية ربهم، والله تعالى أعلم بالصواب" [5] .

(3) روح المعاني (15/ 35) للآلوسي.

(5) فتح الباري (4/ 327) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت