والبرزخ يكون فيه عذاب، ويكون فيه نعيم للإنسان المكلف على ما يحكم الله - عز وجل - به عليه، لا يختلفون في هذا، ومَن فارَقهم فيه نابذوه وأبغضوه، وبدعوه وهجروه، على تفاصيل في ذلك وضوابط لهم، ليس هذا محل ذكرها.
كما عدوا رحمهم الله كلَّ مَن خالف هذا الأصل - الذي هو أحد الأصول المتفق عليها بين أهل السنة والجماعة - من أهل البدع، كالجهمية وبعض المعتزلة [1] ، ومن وافقهم من الشيعة، والخوارج، والفلاسفة، ومن تمذهب بمذهبهم من الإسلاميين، وهكذا أهل الكلام، وبعض الملاحدة الضلال، ولقد تشعبت - أعني أهل البدع - بهم الطرق في إنكاره وردِّه؛ وذلك لتأولهم لما جاء في القرآن الكريم مما يدل على عذاب القبر أو نعيمه من جهة، وعدم إيمانهم بدلالة السنة على ذلك من جهة أخرى، وقد كفانا علماؤنا من كل قرن وفي هذا الفن مؤنة الرد عليهم، والحمد لله رب العالمين.
تنبيه:
كما أن جماهير أهل السنة والجماعة على أن هذا النعيم أو العذاب في القبر، أو الحياة البرزخية، يقع على الروح والجسد [2] ؛ قال النووي - رحمه الله:"ثم المعذَّب عند أهل السنة: الجسد بعينه، أو بعضه، بعد إعادة الروح إليه، أو إلى جزء منه" [3] ، وقال ابن تيمية - رحمه الله:"العذاب والنعيم على النفس والبدن جميعًا باتفاق أهل السنة والجماعة، تنعم النفس وتعذَّب منفردة عن البدن، وتعذب متصلة بالبدن، والبدن متصل بها، فيكون النعيم والعذاب عليهما في هذه الحال مجتمعين، كما يكون للروح منفردة عن البدن" [4] .
وهذا الذي قرره علماؤنا - رحمهم الله - هو الحق الذي لا محيد عنه، ولا ترُوج على المسلم بحق تلك الشبهاتُ العقلية المقيتة، التي يدندن بها أهل البدع ومن وافقهم، فضلًا أن يرد بها
(1) منهم: ضرار بن عمرو، وبشر المريسي، ويحيى بن كامل، وأثبته منهم: البلخي، والجبَّائي، وابنه، للكفار وأهل الفسق، ونفَوْه عن المؤمنين.
(2) انظر: لوامع الأنوار البهية (2/ 24) ، والروح لابن القيم (ص:73،74) ، وفتاوى ابن حجر العسقلاني (4/ 41) .
(3) شرح النووي على صحيح مسلم (17/ 201) .
(4) مجموع فتاوى ابن تيمية (4/ 282) .