أحاديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ويعجبني في هذا المقام كثيرٌ من الأجوبة التي رد بها جماعةٌ من المحققين على هذه الشُّبه الواهية، وأجدني مضطرًّا هنا أن أكتفي بنقل واحد مختصر في الجملة، وهو ما قاله المحقق الشاطبي، في كتابه الماتع: الاعتصام [1] ، وهو قوله وهو يقرر نحو هذا في جملة من المسائل، ثم أتى على هذا فقال:"مسألة عذاب القبر: وهي أسهل [2] ، ولا بُعد ولا نكير في كون الميت يعذب برد الروح إليه عارية، ثم تعذيبه على وجه لا يقدر البشر على رؤيته لذلك ولا سماعه، فنحن نرى الميت يعالج سكرات الموت، ويخبر بآلام لا مزيد عليها، ولا نرى عليه من ذلك أثرًا، وكذلك أهل الأمراض المؤلمة وأشباه ذلك، مما نحن فيه مثلها، فلماذا يجعل استبعاد العقل صادًّا في وجه التصديق بأقوال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم؟!".
ولما كان الأمر كذلك، عزمت مستعينًا بالله أن أجمع كل ما ورد وذكر مما صح سنده، ووقفت عليه، مما يصح أن يكون سببًا للنجاة من عذاب القبر، والفوز بنعيمه، وهو يدل دلالة أكيدة على صحة وثبوت عذاب القبر، وذكرت كذلك معه كل ما كان سببًا في عذاب القبر؛ ذلك أنه باجتنابه والبعد عنه، يصح أن يكون من الأسباب المنجية من عذاب القبر أو البرزخ، كما هو بين وظاهر، فتأمل.
ولم أراعِ في سرد ذلك ترتيًا معينًا، إنما هو بحسب ما تيسر، والحمد لله أولًا وآخرًا.
وقد حداني لهذا ودفعني إليه أمور، ومنها - وهو أهمها عندي: حديثٌ كنت قرأته قديمًا، وهو:
أن هانئًا - رحمه الله - مولى عثمان قال: كان عثمان - رضي الله عنه - إذا وقف على قبر بكى حتى يبل لحيته، فقيل له: تذكر الجنة والنار فلا تبكي، وتبكي من هذا؟ فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (( إن القبر أول منازل الآخرة؛ فإن [3] نجا منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينجُ منه فما بعده أشد منه، قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما رأيت منظرًا [4] قط إلا القبر أفظع منه ) ) [5] .
(2) من غيرها من المسائل الأخر التي ذكر نحوها قبل هذا في كتابه.
(3) في بعض رواياته: (فمن) .
(4) سقطت من بعض نسخ الترمذي.
(5) أخرجه الترمذي رقم: (2308) ، وابن ماجه رقم: (4267) ، وأحمد (1/ 63) ، وحسنه الألباني.