الصفحة 15 من 34

تلاوتي. لم أنس هذا المشهد الذي يجسم الإنسان القاطن تحت نير الإرهاب، وتحت حرابه ونيرانه، قالت لي بصوت أشبه بصوت الإنسان البدائي: آ، ومدت صوتها، وهي امرأة في الستين، ومظهر البؤس يغطي تقاطيع وجهها، وأطياف الرعب والإرهاب ينبعان من عينيها، قالت: آ، وأراها ترفع كفيها إلى السماء، وتشير بأصابعها إلى ما فوق فمها، وتمر بأصابعها يمينًا وشمالًا وتقول: بم، بم، كرباخ، ثم أغمضت عينيها.

ولم يكن أحد يترجم لها، ولكنني فهمت قصتها كاملة؛ إنها قصة امرأة فقدت زوجها، قتل في حرب كرباخ، بدأت معها الحوار بالإشارة، وبعض الألفاظ الموحية قلت: أنتِ وأشرت إليها بالإبهام، موسكو؟، وقلبت يدي أقول: الله، ورفعت يديَّ كلتيهما إلى السماء.

فهمت من سؤالي: هل أنت شيوعية؟ أم أنت مسلمة؟ فقلبت كفيها وبربرت، وهزت رأسها يمينًا وشمالًا، فهمت منها أنها تقول: بين بين، ثم أشارت إلي، ورفعت كفيها إلى السماء وبربرت، وأشارت إلى ما فوق فمها إلى مكان الشوارب، فهمت من ذلك أنها تقول لي: ادع لزوجي فقد ذهب إلى السماء.

استنتجت من هذا الحوار الذي يدمي القلب، أن هذه المرأة ذات عاطفة إسلامية، وأنها أجبرت على الشيوعية، وهذه نموذج للمسلم تحت حكم الكفار، فقلت في نفسي: يا رب، أين الخلافة الإسلامية؟ ومتى تعود؟ وريثما تعود، أين الدعاة؟.

ثم نزلنا، إلى الطابق الأرضي حيث المطعم.

كل من في النُّزُل نزل إلى المطعم، إلى البوفيه المفتوح، وقفنا في الطابور وتخيرنا من اللحم، وكان على شكل كرة والبيض والفطائر والفواكه؛ موز وتفاح وبرتقال ... ثم حليب وشاي وجبنة .. أول فطور، استكثرت هذا علي أن أتناول هذه الوجبة التي لم أعتد على مثلها، فقد كان فطوري كأس لبن وبعض حبات من التمر، ولما أوصلنا السائق إلى الجامعة، لم نعد حتى دخل الليل، عدنا بعد العشاء، فاجتمعنا وكل منا جلب معه زوادة من السمبوسك والفطائر وما أعده لنا أهلونا، وبعد العشاء قمنا بجولة في المدينة.

لما كنت أذهب إلى الجامعة كنت ألبس البدلة، فليس لي صفة مميزة، ولكنني خارج الجامعة، كنت ألبس الثوب وأحيانًا كنت أضع الشماغ والعقال، وفي هذا اللباس رأيت أن لي صفة الاحترام الديني، ولهذا المعنى في قلوب أهل باكو صفة القداسة، فالعربي من بلاد الإسلام.

لما دخلنا على دكان ومعي زملائي؛ أنا بالثوب وهم بالبدلة، قال لي صاحب الدكان: يا أمير، فقد أضاف إلى الصفة الدينية الصفة الدنيوية، وهي الغنى ... وحينما أعود إلى الفندق في غرفتي الخاصة كان جرس الهاتف يزعجني بكثرة رنينه، ولما كنت أرد في البداية على الاتصال، كنت اسمع صوتًا نسائيًا من مجهولة وهمسات وضحكات، فتذكرت كارل ماركس حينما جاء إلى روسيا ورأى الفقر المدقع قال: (ههنا جنتي) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت