كانت دعوة ابن باديس دعوة دينية سلفية خالصة تتميز بالانفتاح والتجديد وتجافي الجمود والانغلاق تقاوم الاندماج _ فرنسة الجزائر أو ضمها إلى فرنسا _ وتنادي بالمحافظة على الصبغة العربية الإسلامية للجزائر. لا غرو، إن كان لهذه الأبيات التي أنشدها ابن باديس فعل البارود وصداه في نفوس الشعب الجزائري على امتداد أرض الوطن وأطيافه السياسية، حيث بقيت إحدى أهم أسلحته المعنوية في مقاومة العدو حتى تحرير الوطن [1] :
"شعب الجزائرِ مسلِمٌ ... وإلى العروبةِ ينتسب"
من قال حاد عن أصلِهِ ... أو قال مات فقد كذب
أو رام إدماجًا له ... رام المُحال من الطلب""
محاربة الطرقية [2]
لما حل الاستعمار ببلاد الجزائر، قام بدراسة للمجتمع من جميع زواياه وتعرف على الذهنيات السائدة وأدرك أنها تنجذب إلى الغيبيات وتنقاد إلى المشائخ، وتعلن خضوعها وولاءها له، فشجع هذا الجانب بعد أن طعمه بما يخدم مصلحته فتعلق أفراد الشعب بالأشياخ وقدسوا الأولياء لجهلهم وسذاجتهم «ووقفوا المدح على قداساتهم وكراماتهم بعد أن كان في مدح الرسول. وكان الانحطاط الفكري قد عراهم من كل أصالة في التفقه ( ... ) وأصبحت العلاقة بين الشيخ والأتباع شبه تعبدية لا مجال فيها لأعمال العقل» [3] . واستغل المستعمر هذه الفرصة ودخل الحصن بمساعدة من هم بداخله وتمكن من الإسلام باسم رعايته ورعاية الأولياء والمناسبات الدينية وسار السذج والجهلة بأمر دينهم في هذا الطريق ظنا منهم بأنهم يخدمون دينهم وإذا بهم ينحرفون عن جادة منهجه فقيض الله من ينصر دينه بالكلمة الطيبة الفصيحة، خطابة ونثرا وشعرا وتوجيها، بل ومقاومة في كثير من الأحيان على كافة الأصعدة وسنذكر أمثلة لذلك. ووصل الحد بالطرقيين المزيفين إلى استعمال العنف السياسي لإيقاف
(1) "عبد الحميد بن باديس رائد الإصلاح والنهضة في تاريخ الجزائر الحديث"، د. فهمي توفيق محمد مقبل.
(2) "شعر المقاومة الجزائرية"، د. صالح خرفي، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر ص 117.
(3) "نظرة الإصلاحيين للشعر في الجزائر"، د. صالح خرفي، مقال.