لم يكن هدف ابن باديس الخوض في المسائل السياسية البحتة، ولكن الوضع المتردي الذي كانت تعيشه بلاده والانتهاكات والمظالم التي كان يتعرض لها الشعب فرضت عليه أن يدخل هذا الميدان من مداخل مختلفة. وإن لم يصرح بذلك، ويخوض في بعض المسائل التي يراها جديرة بالمناقشة، والتي كان يحرص من خلال تناوله على اكساب المواطنين وعيا بحقوقهم، وبأشكال الظلم المسلط عليهم، وإدراكا لحقيقة ما يجري في وطنهم، ليعرفوا -كنتيجة لذلك- ما يجب فعله [1] .
عبد الحميد بن باديس ووجهة نظره في فهم منصب الخلافة الإسلامي:
لقد كان عبد الحميد بن باديس (1308 هـ/1889 م-1399 هـ/1940 م) ، مؤسس (( جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ) )في عام 1931 في الجزائر [2] ، من أوائل اللذين عبروا عن وجهة جديدة في فهمهم لمنصب (( الخلافة ) )الإسلامي. فهو قد استنكر صراحة الصورة التي انتهت إليها الخلافة مع الأتراك العثمانيين بل استنكر بلا مواربة هتاف بع الأزهريين بالخلافة لملك مصر، متفقًا في هذه النقطة بالذات مع ما ذهب إليه علي عبد الرازق [3] .
(1) "الحركة الإصلاحية في الجزائر على يد المصلح الجزائري الكبير عبد الحميد إبن باديس"، الوجه السياسي لابن باديس، مقالة منشورة على شبكة الإنترنت،
(2) انظر"ابن باديس: حياته وآثاره"، اعداد وتصنيف عمار الطالبي، دار ومكتبة الشركة الجزائرية، الجزائر الطبعة الأولى 1388/ 1968 (في أربعة أجزاء) : المدخل: المجلد الأول، ص 15 - 121 (بقلم عمار الطالبي) .
(3) علي عبد الرازق: (1306 ه/1888 م-1386 ه/1966 م) ولد في قرية من قرى مصر الوسطى. ولما بلغ العاشرة دخل إلى الأزهر حيث اتصل بالشيخ محمد عبده وحضر بع دروسه. وفي عام 1910 م دخل الجامعة المصرية لمدة عامين وحضر دروس نلينو في تاريخ الأدب العربي وسانتيلانا في تاريخ الفلسفة. وفي عام 1911 م حصل على العالمية من الأزهر وحار فيه. وفي عام 1912 م سافر إلى انجلترا لدراسة الاقتصاد والعلوم السياسية في أكسفورد لكنه ما لبث أن عاد إلى مصر بسبب نشوب الحرب. وحين عاد إلى مصر عيّن في عام 1915 م قاضيًا في المحاكم الشرعية في الإسكندرية والأقاليم. وأثناء إقامته في الإسكندرية كان يلقي دروسًا في الأدب العربي وتاريخ الإسلام في المعهد السكندري الملحق بالجامع الأزهر، ويواصل في الوقت نفسه دراساته في القضاء في الإسلام. وقد نشر نتائج هذه الدراسات في عام 1925 في كتاب أسماه: الإسلام وأصول الحكم، دعا فيه إلى هدم نظام الخلافة. فثارت في وجهه اعتراضات شديدة وهوجم هجومًا عنيفًا، وفي 12 أغسطس عام 1925 م اجتمعت هيئة كبار العلماء برئاسة شيخ الأزهر وحور 24 من أعضاء هيئة كبار العلماء للنظر في التهم الموجهة ضد الكتاب وصاحبه فأصدرت حكمًا اجماعيًا يقضي بمخالفة ما جاء في الكتاب للإسلام، وبأن مؤلفه سلك مسلكًا (( لا يصدر عن مسلم فضلًا عن عالم ) )، وقررت الهيئة عزل علي عبد الرازق من زمرة العلماء ومن وظيفة القضاء. وقد عاش علي عبد الرازق بعد ذلك، وحتى آخر حياته عيشة منزوية ولم يؤد في الحياة العامة الدور الذي قدر لشقيقه مصطفى عبد الرازق أن يؤديه. أهم أعماله: الإسلام وأصول الحكم، وبحث حول (( الإجماع في الإسلام ) ). - التعريف منقول من كتاب:"أسس التقدم عند مفكري الإسلام في العالم العربي الحديث"، الدكتور فهمي جدعان، الطبعة الثالثة، دار الشروق، 1988، ص 594 - 595.