الشؤون السياسية. وهو حين يدعو، في الأوضاع المرحلية التي كانت تحياها الجزائر، إلى إحلال (( جماعة المسلمين ) )وهم (( أهل العلم والخبرة الذين ينظرون في مصالح المسلمين من الناحية الدينية الأدبية ) )بعيدًا عن السياسة وتدخل الحكومات، سواء أكانت إسلامية أم غير إسلامية- محل سلطة (( الخلافة ) )، فإنه لم يكن يهدف في الحقيقة إلى فصل الإسلام عن النظام السياسي، وإنما كان يهدف فقط، وفي ظل الإحتلال، إلى إبعاد يد الفرنسيين عن الإدارة الدينية والأدبية للجزائر، لكي تحافظ الجزائر على شخصيتها الجزائرية العربية الإسلامية [1] ، ولكي تكون أمور المسلمين الجزائريين في أيديهم لا في أيدي المحتلين. وإلا فان ابن باديس يقرر صراحو بأنه ثمة (( للمسلمين مثلما لغيرهم من الأمم- ناحيتان: ناحية سياسية دولية، وناحية أدبية اجتماعية ) )، وبأنه إذا لم يكن له على الناحية السياسية (( اليوم ) )حديث، فإنما ذلك لأن التوجيه السياسي هو من شأن أممهم المستقلة وغير المستقلة. لم يكن هذا كله من ابن باديس إلا أسلوبًا بارعًا في خداع المحتلين من أجل البناء (( الأدبي ) )في صفوف الشعب الجزائري، وهو بناء لم يكن في أية حال من الأحوال مجردًا من المضمون السياسي الأصيل. ومع ذلك فان ابن باديس لم يتردد في احدى المقالات التي نشرتها (( الشهاب ) )عام 1938 في رسم صورة للنظام السياسي في الإسلام رد فيها أصول الولاية في هذا النظام إلى ثلاثة عشر أصلًا اشتقها من خبة أبي بكر الصديق المشهورة لما بويع بالخلافة، وضمنها أفكارًا سياسية صارخة في الدعوة إلى استقلال الأمة الجزائرية وحريتها وسيادتها، كما اعتبرها خير أصول يمكن بها (( تدارك البشرية ) )وال (( نجاة من تعاسة العالم اليوم ) ). [2]
نص خطبة الخليفة الأول لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، أبي بكر الصديق -رضي الله عنه-، عندما بويع بالخلافة:
«أيُّها النَّاس! قد وُلِّيتُ عليكم ولَستُ بخيركم، فإنْ رأيتموني على حَقٍّ فأعينوني، وإن رأيتموني على باطل فسدِّدُوني، أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإذا عصيتُهُ فلا طاعة لي عليكم» .
«أَلاَ إِنَّ أقوَاكم عندي الضعيف حتى آخذَ الحقَّ له، وَأَضْعَفَكُمْ عندي القَّوِي حتَّى آخذَ الحقَّ منه» .
(1) آثار ابن باديس، ج 1، م 2، ص 407 - 409.
(2) "أسس التقدم عند مفكري الإسلام في العالم العربي الحديث"، الدكتور فهمي جدعان، الطبعة الثالثة، دار الشروق، 1988، ص 350 - 352.