الصفحة 29 من 47

المختلف. لقد استحالت محنة العبودية واحتقار الآخر المختلف همّ الفيتوري المركزي. وعنوان قصيدته العريض، (مأساة الملايين من السود الأفريقيين موزعين في قارات الأرض جميعًا، مأساة الألوف من السنين تعبر بهم، وهم حيث هم من تقدير الحياة، والإنسانية والتاريخ ... ) .55

كنت عذابي .. أنت يا أفريقيا

وكنت غربتي التي أعيشها.

وشئت أن أعيشها.56

صلة الفيتوري بمحنة الإنسان الأسود لم تنشأ، في تقديري، من مشاعر التنفيس التي يمكن أن يوصف به شعره، وهو الرجل الأسمر، ولا على سعيه لتعويض النقص النفسي المعنوي الذي قد يوجده الاحساس بالدونية بسبب الاختلاف الشكلي الظاهر.

إحساس محمد الفيتوري بمحنة الملونين يضبطها كونه شاعر يملك حساسية نفسية تجاه ممارسات العنف المعنوي الذي يمارسه العنصريون على المختلفين عرقًا، وما كانت لتصير هذه المحنة مسألة مركزية في خطابه الشعري، لو لم تملك عليه نفسه، وهو يرصد تجلياتها عبر تاريخ البشرية في إطار ممارسات لا تجد إطلاقًا تبريرًا مبدئيًا لها.

وفي إشارة إلى مقارنة اختلاف التعاطي مع المسالة العنصرية بين المفكر فرانز فانون والشاعر محمد الفيتوري فإننا، في الحقيقة، لا نستطيع أن ننكر على فانون كثيرا من أوجه الشعرية المضمونية في كتابه، بل نقول إن معالجته للمسألة صادر بالأساس عن إحساس وجداني بحدة وقع الممارسة العنصرية مبدأ وفعلا، فهو لم يشتغل عليها فكريا؛ بحيث اعتمد تفكيك هذه الممارسة بوصفها ظاهرة تاريخية تستدعي تبصرا موضوعيا بعناصرها، ومن ثم تفسيرا لفعلها في الواقع؛ فكانت علاقته كما اسلفنا شاعرية مع هذه القضية، وتنم عن إحساس وجداني بحجم سوء هذا الفعل غير المبرر قيميا.

لم نتجاوز المسالة العنصرية وممارساتها ونحن ندرس كتاب فرانز فانون (معذبو الأرض) ، وسيلزمنا هذا الخيار الفكري النقدي أن نفعل الشيء نفسه مع ديواني محمد الفيتوري الشعريين (أغاني أفريقيا ـ عاشق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت