في سنة 1961 يكتب المقارن هنري ريماك مقالة تكرّس التصور النقدي في الأدب المقارن، وترسخ المفهوم الجديد للمقارنة بين الآداب، ويشترك هنري ريماك مع غيره من المقارنين الأمريكيين في التأسيس لهذا التصور، وطرح أبعاده التي يراد لها أن تؤطر وتضبط الدراسة المقارنة، غير أن إضافة نوعية مهمة طرحها هنري ريماك وهو بصدد المشاركة في صياغة التصور النقدي في الأدب المقارن؛ إذ شاء في تنظيره لهذا التصور الجديد الذي سعى لإعماله إجرائيًا في المقارنات التطبيقية، أن يدفع باتجاه إمكانية عقد مقارنات بين الأدب واللاأدب، بين الأعمال الإبداعية الأدبية، والأعمال الإبداعية الفنية، وكذلك بينهما وبين المنجزات المعرفية والفكرية الأخرى، يقول: (الأدب المقارن هو دراسة الأدب خارج حدود بلد معين واحد، ودراسة العلاقات بين الأدب من جهة ومجالات المعرفة والمعتقدات الأخرى، مثل الفنون والفلسفة والتاريخ والعلوم الإنسانية والعلوم والديانات ... إلخ، من جهة أخرى، وباختصار الأدب المقارن هو مقارنة أدب بأدب آخر أو بآداب أخرى، ومقارنة الأدب مع مجالات أخرى من التعبير الإنساني) .10
ما من شك في أن إصرار ريماك على انفتاح الأدب المقارن على غيره من المعارف الإنسانية غير الأدبية يسجل في إطار التصور المرن الذي ميّز اتجاه المقارنة الأمريكية، ويُراد من ذلك، مرة أخرى، ترسيخ مبدأ ضرورة تجاوز علموية الاتجاه التاريخي، وهدم نسقيته الملحّة والضاغطة التي تضع المقارنات في أضيق الحدود. فالاتجاه التاريخي بتمسكه بعلاقات التأثير ينشط غالبًا في حدود المقارنات الثنائية، وقد أشرنا إلى ذلك سلفًا، وهو بنزعته هذه يتحمس أكثر للمقارنة بين الآداب وبين النصوص في مجال الإبداع الأدبي؛ لأن فرص التقاط مواطن التأثير وسياقاته أوكد منها في حالة توسيع المقارنات، وفتح حدودها أمام أنساق معرفية أخرى.
لقد زاد حرص مقارني التصور النقدي على جدوى المقارنات بين الأدب واللاأدب في ترسيخ صفة المرونة والانفتاح في طبيعة هذا التصور. وبصفة المرونة وانفتاح المقارنات على اللاأدب يكتمل لدينا بناء مفهوم واسع وشامل للأدب المقارن، يشدد على المقارنة بين النصوص اعتمادًا على نقدها وتحليلها، ويحفل بعقد مقارنات بين الأدب وغيره من المعارف والمنجزات الفكرية والروحية الإنسانية، فيغتني حقل