رأى الاتجاه النقدي في هذا الحرص على ثنائية العلاقة بين أطراف المقارنة تكريسًا لهيمنة النزعة التاريخية، واستحكامها في الدرس المقارن، وعند هدمها، والدفع باتجاه الخروج عليها إلى عقد مقارنات نقدية تتجاوز الثنائية إلى ما هو أكثر منها، فإن ذلك خطوة أخرى في اتجاه هدم التصور التاريخي، ودعم بناء تصور بديل، هو التصور النقدي في الأدب المقارن. وقد كان هنري ريماك وجون فلتشر من دعاة توسيع المقارنات النقدية إلى ما هو أكثر من أدبين إلى آداب عديدة، وتستفيد الدراسات المقارنة الموسّعة من هذا التصور المنفتح صفة إنسانية مهمة تتجاوز بها إشكالية العلاقة بين المركز والهامش التي تنتجها المقارنات الثنائية.
يقول هنري ريماك: (باختصار الأدب المقارن هو مقارنة أدب بأدب آخر أو بآداب عديدة) .9
وكما أن المقارنات الثنائية تضيف لتاريخ الأدب، متزوّدة بحقائق تاريخية على درجة عالية من الدقة؛ للأسباب التي جئنا على ذكرها، فإن المقارنات النقدية الموسّعة التي تقارن بين نصوص متعددة تنتمي إلى مرجعيات مختلفة ومتعددة تضيف أيضا للنقد الأدبي، وتزوّده بملاحظات وتعليقات نقدية، أفضت إليها قراءات نقدية مقارنة؛ فتتكون انطباعات وإدراكات حول صور فنية، وأساليب أدبية، وكيفيات بنائية من جرّاء مقارنات تنفتح على مدّونات أدبية، ومن ثم حضارية وإنسانية أشمل. ولا يعني هذا بأي شكل أن الأدب المقارن مرتهن دائمًا لحقل أدبي آخر، مطالب بالارتباط به أخذًا وعطاء؛ لأن هذا التقييم سيعود بناء إلى سؤال إشكالي يطال استقلالية الأدب المقارن نسقًا من أنساق الدراسات الأدبية.
فالعلاقة، في واقع الحال، جدلية بين أنساق الدراسات الأدبية، فكما أن نظرية الأدب لا تجد فكاكًا من النقد الأدبي، على اعتبار أن الحدود بينهما متحركة وتعرف غير قليل من التداخل، فإن الأمر ينسحب على علاقة الأدب المقارن بغيره من أنساق المعرفة الأدبية الأخرى، فهو يتأثر بمنجزاتها، ويؤثر في فرص الإضافة إلى هذه المنجزات، فالأدب المقارن نشاط خاص يستهدف الآداب القومية المختلفة بالدراسة والرصد، وفي الاتجاه النقدي، وسيلته في هذه الدراسة نقد النصوص وتحليلها مباشرة، ومن نتائج عمليات المقارنة هاته يتشكل بناؤه المعرفي، وتتكون مفهوماته بوصفه إطارًا معرفيًا مستقلًا، مع غيره، بطبيعة الحال، من أنماط ممارسات في تاريخيته الفكرية والمعرفية.