«الشبهة السادسة» : أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ينكر زيارة القبور، يقول المستشرق الفرنسي ببلا: (وزار بوركهارت هذا المكان ـ بقيع الغرقد ـ بعد غزو الوهابيين فوجد أنه أصبح أتعس المقابر حالًا في المشرق) يقصد هدم القباب وقال فنسنك: (ولا يعتبر موحدًا من زار قبور الأولياء) وهذه الشبهة واضحة البطلان؛ فإن الشيخ لم ينه عن الزيارة الشرعية المتضمنة تذكر الآخرة، والدعاء للأموات، من غير شد الرحال إلى القبور، وإنما نهى عن دعاء المقبور، وإيقاد السرج على القبور، وبناء الأضرحة على القبور، وانخاذها مساجد، ورفع القبور، وتشييدها، وتجصيصها، وكل هذه الأمور صح النهي عنها، فأما دعاء المقبور فهو عين الشرك الذي لا يغفره الله إلا بالتوبة، ومن مات عليه فهو مخلد في النار، قال تعالى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ 5} وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاء وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ [الأحقاف:5 - 6] وقال: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ} [المائدة:72]
وعن أبي مرثد الغنوي قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها» [1] ، وعن جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنهما ـ قال: «نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه» [2] ، وعن ثمامة بن شفي قال: كنا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم برودس فتوفي صاحب لنا، فأمر فضالة بن عبيد بقبره فسوي ثم قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يأمر بتسويتها [3]
فالشيخ ـ رحمه الله ـ لم ينه إلا عما نهى عنه الكتاب والسنة، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن اتخاذ القبور مساجد، والقبوريون يعكفون عليها، ويصلون عليها وإليها وبل يصلون لها من دون الله، ونهى أن تجصص القبور أو يبنى عليها، وهؤلاء قد ضربوا عليها القباب وزخرفوها، وحبسوا عليها العقارات وغيرها وأوقفوها، وجعلوا لها النذور والقربات، ونهى عن بناء المساجد عليها ولعن من فعل ذلك ودعا عليه بغضب الله، وهؤلاء قد بنوا عليها ورأوا ذلك من أعظم حسناتهم، ونهى عن إيقاد السرج عليها، وهؤلاء يوقفون الأوقاف على تسريجها،
(1) رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي
(2) رواه مسلم
(3) رواه مسلم