والثالث: من كان مجهول الحال عند الوالي والقاضي لا يعرف ببر ولا فجور، فهذا يحبس من غير ضرب حتى ينكشف حاله، قال في التبصرة: قال ابن حبيب: سألت مطرفا عن رجل سرق متاعه فاتهم به رجلا من جيرانه، أو رجلا غريبا لا يعرف حاله، أترى الإمام يحبسه حتى يسأل عنه ويتبين؟ قال: نعم، أرى ذلك على الإمام، أن يطيل حبسه، وكذا إن ادعى أنّه جرح أو قتل له وليا وقد عرفت أن حبس مجهول الحال لا يطول، والله الموفق للصواب." [1] "
قال ابن فودي:"إذا غصب رجل لرجل عقارا أو غير معالمه حتى لم يعرف صاحبه حدوده،، يحال بين الغاصب والأرض جميعا، إذا أخلطها بملك غيره حتى يقر له بحقه منها مع ما يلزمه من الأدب الموجع، ومن أقرّ أنّه غصب رجلا دينارا أو نحوه حكم عليه بدينار جيد، وإن أقرّ بدراهم ثم قال: ردية لم يصدق، ومن ادعى أنّ رجلا أفسد عليه زوجته وشهد على الرجل أنّه من أهل الإضرار بالمدعي والإساءة إليه، وهو ممن عرف بمثل ذلك يؤدب بالحبس الطويل والنكال بعد الإعذار إليه."
كان مالك يقول فيما رواه عنه مطرف: وإن الذين قد عرفوا بالفساد والجرم، إن الضرب قلّ ما ينكلهم، ولكن أرى أن يحبسهم السلطان في السجون ويثقلهم بالحديد، فذلك خير له ولأهليهم وللمسلمين، حتى تظهر توبتهم أورده في النوادر.
سئل مالك عن فاسق يأوي إليه الفساق؟ فقال: يباع عليه منزله ويخرج، قال ابن القاسم: يتقوم عليه مرة أو مرتين أو ثلاثا ثم يخرج ولو أكره عامل رجلا أن يدخل بيت رجل فخرج منه متاعا ليدفعه إليه ففعل ثم عزل فقال سحنون: لرب المال أن يأخذ ما شاء منها.
والسارق إذا ترك الدار مفتوحا يضمن ما أخذ بعده، ومن أخبر غاصبا بمحل مال فقولان في تضمينه.
ومن أفسد ثمرة قبل بدو صلاحها غرم قيمتها يوم إفسادها على الرجاء أن تتم، والخوف أن لا تتم، كالزرع وهذا كله مع الأدب من السلطان بقدر ما أفسد." [2] "
(1) ابن فودي، ضياء الحكام، مرجع سابق، ج 3/ 170 - 171. وكل ما جاء في هذا المبحث والمبحث الذي سيأتي اختصره ابن فودي من ابن فرحون في تبصرة الحكام، انظر: تبصرة الحكام لابن فرحون، مرجع سابق، ج 2/ 158 - 162.
(2) ابن فودي، ضياء الحكام، مرجع سابق، ج 3/ 171 - 172.