الصفحة 11 من 31

الله عليه وسلم رأسه، وقد علَت وجهَه حمرةٌ من الغضب، قال: فقال: (( أي ثَكِلتْكَ أمُّك! هذه اليهود والنصارى بين أظهرهم المصاحفُ لم يصبحوا يتعلَّقوا بحرف مما جاءتهم به أنبياؤهم، ألا وإن من ذَهاب العلم أن يذهَبَ حملتُه ) )ثلاث مرار.

فإذا كان الأمر كذلك، أضحى النماءُ في بقاء العلماء، وأصبح رقيُّ الأمة مشروطًا بإخراج العلماء النيِّرين العارفين المتبحِّرين في شتى ضروب المعارف الراسخين في العلم، وهذا ما انفرط في عِقْدِ الأمة حين انغمسَتْ في سُباتها الحضاري، وهو ما تفنَّنَتْ في الحيلولة دونه إدارات الاستعمار العسكري، ومنظمات الهيمنة الاقتصادية والحضارية في النظام الدولي.

فما ذكرناه من نصوص الوحي الكريم يدل على أن البقاء والنماء والازدهار والتمتع بفضل الله ورحمته ونصرته هو في بقاء العلماء.

ولهذا كان القيام بذلك عند الأمم الراشدة على رأس الأولويات، ويحظَى عندهم بالرعاية الكبرى والاستثمار الكثير.

فتكوين رجال العلم في الدين وفيما يلزم من أمور الدنيا لبقاء الخلق والدين: واجب مقدس على الأمة، وأفرادها آثمون عند الله إن هم غفلوا عنه أو تهاونوا فيه.

ولا عذرَ لأحد منهم في كون الحكومات قد فرَّطَتْ، أو أن الدوائر المسؤولة ما انتبهت، أو أن مؤسسات التعليم تقاعسَتْ، بل نحن المسلمين قاطبةً، شعوبًا وحكومات، مسؤولون عن أبنائنا ومحيطنا، وتفريطنا في تخصيص جزء من مالنا ووقتنا لإخراج العلماء النبهاء الفقهاء؛ فبقاؤنا وبقاء رحمة الله شاملةً لنا هو في القيام بهذا الواجب المقدس.

وإخراج العلماء مشروع إستراتيجي ومستقبلي يحتاج إلى نهْجٍ رشيد وتخطيط حكيم، ولا سبيل لتحقيقه إلا عبر التعلُّم القويم، وإنشاء مؤسسات التعليم الإنشاء السليم، وحاجتنا اليوم شديدة إلى تعليم عالٍ في مستوى هذا الإخراج، والغفلة عن ذلك جعلت عديدًا من الأمور التي استنبتناها من خارج تربتنا تبدو معكوسة الثمار، رغم تفاقم نفقات السقي، وكبير كلفة الاستنبات.

فمؤسسات التعليم العالي ومراكزها البحثية، مثلًا، هي التي تطوِّرُ العلوم والتكنولوجيا في البلاد الأمريكية، والأوروبية، واليابانية، ومن في فلكِها؛ بيدَ أنَّنا نرى في دولنا الضعيفةِ الوجودِ في ميدان الإسهام في البحث العلمي وإعداد رجاله: أن تطور العلم والتكنولوجيا هو الذي يغير مؤسسات التعليم، وخاصة منه العالي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت