الصفحة 26 من 31

من البدهي أن من أقدس مهمات جامعات ومؤسسات التعليم العالي تحبيبَ العلم لروَّادها وطلابها، وخدمة العلم بتطويره وبلورته مضمونًا ومنهجًا، ومن ثَمَّ فإنها الراعي لقيم المجتمع العلمية التي تتجلى في واجهات ثلاث أساسية:

* الأولى: حب العلم: وذلك بحب التعلم وحب العلماء، وحب المتعلمين، واحترام أهل العلم وتقديرهم، وتبويئهم المكانةَ المعنوية العليا في المجتمع.

* الثانية: خدمة العلم: بدفع أهله للبحث والاجتهاد ومزيد من الرسوخ في العلم، والعمل على التزام المتعلمين بآداب العلم وتمثُّلها والحرص عليها، والحفاظ على حرية العلم، مع الدفاع عن حرية النقد البنَّاء الضروري لبَلورةِ العلم.

* الثالثة: تفعيل العلم: وهو جانب خاص من خدمة العلم يتجلى في الحرص الحثيث على نشره وتعميمه والعمل على تدوينه، وتوفير اللَّوازم الماديَّة والمعنويَّة، وتمكين العلماء وطلابهم من كافة الأدوات الضرورية.

وهذا يتطلب إبعاد منهجية السرد والتلقي التي أودَتْ بنشاط وحيوية الجامعة، وتنمية روح المبادرة عند الطالب، والقدرة الاقتراحية لديه، وتقوية ملكة الاجتهاد لديه، وغرس القيم الدينية والأخلاقية والوطنية في نفسه، حتى لا يكون تعليمنا نزيفًا تشكو منه البلاد، ومضيعة للوقت تَمَسُّ بَلواها في المجتمع كلَّ أحد، وسيفًا حين الجهاد نبا لم يبقَ منه إلا الغِمد.

ما من شيء أضر على مؤسسات تعليمنا من غفلة العديد منها عن رسالتها الدينية والعلمية، وأقول: رسالتها الحضارية؛ لعلل شتَّى وأسباب عدة، ذكرنا بعضها حين معالجتنا لأزمات التعليم العالي المعاصر، ولا سبيل لتكوين العقلية العلمية وتقوية ملكات النقد لدى طلاب لا يؤمنون بمشروع مستقبلي، ويحسون بأمانة رسالتهم الحضارية على مستوًى عالمي.

فالفقه بأبعاده الثلاثة: فقه الدين، وفقه الدعوة، وفقه الواقع - مادة إلزامية في كل الشُّعَبِ والتخصصات، يتعمق فيها إلى أرقى درجات الرسوخ المتخصصون في الفقه والعلوم الإسلامية، ولكن جميع الطلاب ملزمون بمعرفة مبادئها وأصولها وثوابتها ومقاصدها وكُبرَيات مراجعها.

ولا مجال لكل ذلك إذا غُيِّبَ القرآن الكريم كمرجع أساسيٍّ في كل علم، ولم يكن الرسول عليه الصلاة والسلام قدوةَ كل طالب، فلن تكون مؤسساتنا، كما هو الحال في العديد من بلدان عالمنا الإسلامي، ببغاوات إسمنتية تكرر بشكل رديء، مع فارق كبير في الزمن، ما اكتشف في مراكز البحوث المنقول عنه أنه ضعيف المردودية، قصير مدة الصلاحية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت