الصفحة 19 من 31

وابتكار الصناعات - يُلزم القوانينَ الرسمية والإجراءات الإدارية بأن تسمحَ لأستاذ التعليم العالي أن يُمارِس شتَّى المهام طِيلةَ نشاطه العلمي بالجامعة، حيث يدرس ويبحث، ويتابع تعليمَه هو كذلك أسوة بغيره، ويدير مؤسسات البحث والمقاولات في الصناعة المتولدة من المبتكرات الجامعية وغيرها، مما له نفع على تنمية مهاراته وخبراته.

ولعل البعض - وخاصة داخل عالمنا الإسلامي - يرى في خروج الأستاذ الجامعي للمجال المقاولاتي نوعًا من صرف اهتمامه عن العلم، وانغماسه في التجارة.

وننبه على أنه قد ولَّى الزمن الذي كانت التجارة فيه حكرًا على أصحاب رؤوس الأموال؛ فقد أضحى العلم والمعرفة رأسمال ذا قيمة لا تقدر بثمن، ولم يَعُدْ عيبًا بالدول الصناعية - إلا لدى بعض الفئات التقليدية - أن يتمتَّع الأستاذ الجامعي - إلى جنب تألُّقِه العلمي - بالدخل العالي، والتوفر على مال وفيرٍ يسمح له ولطاقمه بالاستثمار في شتى المجالات.

من خلال ما عرضناه من تحديات ضخمة وواجبات جِسام، حُقَّ لنا أن نتساءل: هل نعيش نهاية زمن التعليم العالي وموت الجامعة كما عرفها الغرب منذ بدايات عصر التنوير وعهود ازدهار المعرفة الموسوعية؟

"إن سيادة معايير الكفاءة المقومة ماليًّا وربحيًّا محلَّ المعرفة، وصعود الإداريين في مواجهة الأكاديميين، وتهميش المشاركة في اتخاذ القرار في مؤسسات التعليم العالي، واحتمال تدهور البحث الأساسي، حيث لا يترتب عليه هامش ربحٍ مباشر للصناعة، كما في حالة البحث التطبيقي والتقاني" [1] - تُسهِمُ في موت الجامعة كما عرفت من قبلُ، وستفسح المجال لمخلوق آخر مُشوَّه البنية عديم الفائدة، بحجة مواكبة العصر ومسايرة التطور [2] .

فمن أهداف العولمة الأساسية، بل من محركاتها القوية أن يكون المال دُولَةً بين الأغنياء من المجتمعات، وأن يؤول الأمر إلى المُتْرفين، وهذا ما يحاربه الإسلامي محاربة شديدة، وغياب التبصر لما يتطلبه التعليم العالي على ضوء ما نحتاجه من علماء في مستوى الإخراج الذي نبهنا له

(1) نادر فرجاني"التعليم العالي والتنمية في البلدان العربية"، مجلة المستقبل العربي، العدد 238، 11/ 1998 م، ص 84.

(2) نادر فرجاني"التعليم العالي والتنمية في البلدان العربية"، مجلة المستقبل العربي، العدد 238، 11/ 1998 م، ص 84.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت