الصفحة 9 من 31

ويبدأ التملُّصُ من البرامج التي كانت تخدم الأهداف الوطنية إلى برامج تُمليها السوق وأهداف العولمة الاقتصادية والفكرية والاجتماعية.

ويلاحِظُ كلُّ متتبع بوعي لتطور بيئات المجتمعات الإسلامية الاقتصادية أن عمليات الخصخصة الاقتصادية الجارية على قدم وساقٍ منذ عقد من الزمن، قد أسهمَتْ في بلورة هذا التطور المتمثل في المزيد من تقليص دور الدولة وتعزيز دور القطاع الخاص في التعليم والثقافة والفكر، ويشمل ذلك على الخصوص مؤسسات التعليم العالي، ومراكز البحث العلمي.

أ) لب التعليم المنشود: إخراج العلماء:

يقول الله عز وجل: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} [فاطر: 27، 28] .

هاتان الآيتان معبِّرتان عن سنن إلهية قارة ثابتة، لن يجد الناس لها تحويلًا، ولن يجدوا عن سلطانها مصرفًا؛ فالعلم الحقيقي لا يتأتى نفعُه وإثماره في الأرض على الوِجهةِ المُثْلَى إلا إذا كان يُقصَدُ به خشية الله.

وغير المتمعِّنِ في خلق الله وكونه المفتوحِ للبحث والاستطلاع والسير في أطرافه بحثًا وتنقيبًا، الغافل عن سنن الله في الماء وإخراج الثمرات، وغير الملتفت لمكنون العلم في إنزال ذلك الماء، وخروج ثمرات الأرض، وتلون الأتربة والجبال، واختلاف الناس والدواب والأنعام في اللون والطباع واللغة والعادات - لا يُحسِن معرفةَ الله بجهله لآياته في الكون والآفاق والأنفس، فإنما يدرك ذلك العلماء، ولا علم ولا علماء إذا لم تكن حصيلة العلم ونتيجته خشية لله.

فالقراءة في كتاب الكون هي إحدى الدعامات الأساسية لتكوين الإنسان الروحي والمعرفي، وهي تصديق حي ومشهود لقراءة الوحي الضرورية لإدراك غيبيات من مصير أخروي، ومراقبة إلهية، والعمل وفق شرعة ومنهاج، واعتبار بمن سلف من الأمم، واقتداء بالرسل، وتمسك بالصراط المستقيم، لصناعة غد مشرق؛ علمًا وعدلًا في الدنيا، وإعدادٍ لغد زاهر ومُرْضٍ للرحمن جل وعلا في الآخرة.

فالذي يجهل السنن الكونية، وغابت عنه قراءة الكتاب المنظور، وهو شاخص البصر يوميًّا في بعض أبعاده، كيف يفهم الكتاب المسطور لا في جزئياته ولا في كلياته؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت