العلوم والفنون، ونظر ثاقب، وذوق جمالي ووعي شمولي، ولا يتقن العناية بها إلا من أدرك قيمتَها الحضارية وحاجتها إلى قيم الحق والعدل والحرية.
وهي ملَكَة تمكِّنُ صاحبَها من التجديد والإصلاح والتقدم في بحور العلم، ويبلغ بفضلها محطات يعجزُ عنها صاحب العقلية العلمية دون الملكة النقدية، فمن لا عقلية علمية له لا ملكة نقدية له، ومن له عقلية علمية فقد أضحى مؤهَّلًا - إن رام الغوصَ في بحور العلوم والبحث والتنقيب والاكتشاف في أعماقها وأنواعها - أن يكون صاحبَ ملَكَةٍ نقدية إن كان ذا فكر ثاقب، وذوق جمالي متميز، وتمرنٍ راسخ على التمييز والتمحيص بين الأفكار والأقوال والأفعال.
* حوافز البحث والنمو المعرفي:
قد تُحفِّزُ الباحثَ رغباتٌ مادية صِرفةٌ لمباشرة بحثه وتطويره، وقد يدفعه للنمو المعرفي عطشُه العلمي، أو سعيُه للرقيِّ الوظيفي، أو الارتقاء المعرفي، فالأمر لا يتعلق بمضمون البحث - وإن كان شديد التأثير - ولا بشكل النمو المعرفي - وإن كان لا يخلو من جاذبية - ولكن المسألة الأساسية في البحث العلمي والإقدام بشغَفٍ عليه تنحصر أساسًا في الحوافز، وهذه الحوافز هي ما يدفع الراغب في التعلم واكتساب العلم إلى الإقدام على البحث والسعي لنمو معارفه.
فهي لصيقة بالعديد من العوامل، منها ما هو ذاتي، نبيل بنبل مقاصده، ومنها ما هو مادي صِرفٌ، لصيقٌ بالمصالح العاجلة، والمكتسبات المادية التي تفجره وتدفع جبهته.
كتب الكثير من الباحثين والأستاذة المختصين حول أزمة التعليم في البلدان الإسلامية بمختلف مستوياته، وعُقدت المؤتمرات والندوات المحلية والدولية، وصِيغت العديد من التوصيات ما لو جُمِعَ لشكَّل وحده مكتبةً ضخمة، ونكاد - لولا يقظةُ وفعلُ ثُلَّةٍ قليلة من المخلصين - أن يجري علينا مرادُ قول ربنا عز وجل: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ} [النمل: 80] .
ولا أرى حاجة في الإدلاء بدلوي - على قلة زادي - وحسبي في هذا الباب أن أذكِّر بما أستخلِصُه من تشخيص علماء كبار لا يرقَى الشك إلى إخلاصهم، والمكانة العالية لعلمهم، ولا سبيل للشك في مهارتهم ودقة رأيهم، ولا مجال عند ذي لب للتردد في قبول حكمهم وتقدير جهودهم، مركِّزًا فيه على ما هو شديد الارتباط بتكوين العقلية العلمية، والملكة النقدية، والتحفيز على البحث.