ولقد اخترت منهم الشيخ أبا الحسن عليًّا الحسني الندوي رحمه الله؛ لرسوخ علمه الديني من جهة، وتمكنه من علوم التربية وفنون الإصلاح المجتمعي من جهة ثانية، ولقوة جهاده تنظيرًا وتطبيقًا لتطوير التعليم في بلدان العالم الإسلامي وفقَ ما يمليه الشرع الحكيم، ويقتضيه الاجتهاد السليم من جهة ثالثة، ولقِدَمِ مقترحاته عرضًا، وأبقاها حياةً وصلاحًا إلى اليوم، وأدلِّها على عدم اكتراثنا بحسن النصائح، وغفلتنا عن جميل التوصيات من جهة رابعة.
يشخِّصُ رحمه الله أزمة التعليم العالي في بلدان العالم الإسلامي، ويحدد أصولها في خمسة أسباب رئيسة [1] :
-عدم الإيمان بقيمة ما تعطيه هذه الجامعات من ثقافة ومعلومات وصلاحية، وعدم إيمان الشباب بحاجتهم إليها حاجة المشرف على الغرق، والمعرَّض للتلف إلى الإنقاذ، بل بالعكس من ذلك، إيمانهم بضآلة الفائدة التي تحصل لهم من هذا الطريق الطويل، الملتوي، الشاق، العسير، المكلِّف للأموال الباهظة، والمتاعب الجمة، وبضحالة الثقافة التي تحصل لهم في هذه الجامعات وفصول الدروس، والإنسان منذ وجد على هذا الكوكب مؤمن بمنطق النفع، خاضع مجلٌّ لمن كان سببًا له في ذلك.
-تَشكُّكُ الشباب في إخلاص المعلمين والعاملين في هذه المراكز الثقافية ونزاهتهم وسموِّهم، وأنهم على مستوًى هو فوق مستواهم في العلم والعمل والخلق والاستقامة، وفي الذكاء والمواهب، وفي الاجتهاد والجهاد لأداء رسالتهم، بل يرون كثيرًا منهم دون مستواهم، ويرونهم محترفين بصناعة التعليم لا يمتازون عن المحترفين الآخرين من أصحاب المهن والصناعات بكثير.
-ضعف الصلة بين الأساتذة والتلاميذ - إذا كان هنالك أساتذة بالمعنى الحقيقي، وإذا كان التلاميذ بالمعنى الحقيقي؛ فقد تحولت الجامعات والمعاهد العلمية - حتى الدينية الإسلامية منها - من أُسَرٍ مؤتلفة يسودُ بينها الإخاء والتعاون، والحب والرقة، يوقَّر فيها الكبير، ويرحم فيها الصغير، إلى طبقات متنافسة، لا تلتقي إلا على الأغراض والاستغلال، وصلة المعلم بالتلميذ صلة سطحية مؤقتة لا تتجاوز الفصول والدروس.
(1) في محاضرة ألقيت بجامعة الرياض قبل 33 سنة، أشار العلامة أبو الحسن علي الحسني الندوي - رحمه الله - إلى أسباب رئيسة خمسة لضعف الجامعة في العالم الإسلامي، ما زالت هي ذات الأسباب الخطيرة في أزمة جامعاتنا الإسلامية، وأدرجها في مؤلفه:"نحو التربية الإسلامية الحرة في الحكومات والبلاد الإسلامية"، مؤسسة الرسالة، الطبعة الخامسة، ص 61 - 62.