حتى يستدرك، وإعادة توجيهه ودعمه حتى يتأهل لمستويات أعلى، بنفس العناية والاهتمام اللذين يلزم صرفهما للنابغة المتميز ليصل إلى أعلى مستويات التألُّقِ.
فالملاحظ أن التعليم العالي المشهود يضيِّعُ هذا وذاك؛ فالنابغة من شدة الإحباط يندرج فيما يدعى بالعقول المهاجرة - إن عاجلًا أم أجلًا - والآخر ترمي به الجامعة ليُعزِّز صفوف الأيادي والعقول العاطلة، وكلاهما آفتان تستنزفان الكثير من الطاقات والجهد والمال، وتُنذِرُ بالخطر الشديد في القريب من المآل.
ولئن كانت هذه الوظيفة من باب ما هو تقليدي وبَدَهي في التعليم العالي، فإنها اليوم تحتاج إلى فتح المجال للباحثين في شتى المراكز العلمية أن يدرسوا بالجامعات والمعاهد والمؤسسات، وأن يمرِّنوا طلابهم بهذه المراكز على البحث التطبيقي والتأهل الابتكاري والإبداعي.
وهذ أمر ليس بالهيِّن؛ لأن الإجراءات الإدارية القائمة، وما رسخ من عادات الفلسفة التربوية التقليدية جعل للجامعة حمًى يدافع عنه الأساتذة بشراسة - وهم مُحقُّون - ولكنهم لم يترددوا في الدخول في أي تعاون ثنائيٍّ بين مؤسساتهم ومراكز البحث العلمي، إذا أحسُّوا بأنهم لا شك سيفيدون ويستفيدون ولن يُهمَّشوا، أو يُحجَرَ على حريتهم واختصاصهم فلن ينشغلوا إلا بما هو نظري.
الحجة أن التطبيق هو اختصاص الباحث في مجالات تطبيق العلم النظري بمختبرات ومراكز البحث العلمي.
من هنا كان لا بد أن يُسمَحَ للأستاذ الجامعي بإنشاء مقاولات للبحث والابتكار باسم الجامعة وبرأسمالها.
وما زال العديد من رجال الإدارات والأُطُر التربوية يرَوْن انخراط الأستاذ في التجارة مُبعِدًا له عن العلم، بل لا يطيق بعضهم ولا يقبل الكثير من قادتهم أن يَرَوْا دَخْلَه يرتفع وراتبه ينمو، بَيْدَ أنهم لا سبيل لهم لمنافسته أو مقاسمته ثروته.
فلا يُعقَلُ أن يسمح للطالب أن يتوق بعد تخرُّجه لأرقى الرتب، ويمنع الأستاذ من أن يحسِّن وضعه الاجتماعي ودخلَه المالي، ورفع مستواه المعرفي، وإنجاز مشروعه البحثي.
فلم يعد مجال للفصل بين النظرية والتطبيق في كافة العلوم، بما فيها العلوم السلوكية والاجتماعية والأدبية، أَوَتلك يُظَنُّ أنها مجردة؟! فالطالب الذي لا يحتك بالمجتمع ولا يحمل همومه لا مشروع