الصفحة 24 من 31

له، ومجالات التطبيق في المجتمع والمختبر قبل التخرج تمكِّنُه من فرص اختبار ما استوعبه من نظريات، وتفتح ذهنه للتجديد والمزيد من البلورة لتلك النظريات ذاتها.

وما من شك أن العولمة وتطور حركة السوق الاقتصادي واتِّساع نفوذِها سيَدفَعُ إلى تطور المؤسسات والمعاهد والكليات، ويعمد إلى اغتيال التي لا حاجة له بها ولا بأُطرها وخريجيها، بل قد يكون من خطط محركي عجلات العولمة خنقُ أنفاس جامعات تحافظ على الهوية، وتهدف لترسيخ المرجعية والدفاع عن الذات الإسلامية.

ولهذا ينبغي أن يبقى الزمام بيد الدولة في ضبط شكل التعامل مع السوق في مجال التعليم العالي، ولا سلطة لها في وجه قوة السوق الكاسحة إلا بتعميق المشاركة الشعبية، وتعميم فعل الشورى في مختلف دواليب إدارتها ومؤسساتها؛ لأن التجربة أثبَتَتْ أن العولمة مهما قَوِيتْ لا سلطة لها على الفئات ذات البنيان المرصوص، وأن الصامد على هويته يُملي شروطَه عليها أكثر مما تزيد أن تفرض هي عليه.

فترسيخُ القيم، وتقوية الذات، وتحصين الهوية هو صلبُ مقاصد الإسلام، وروح القرآن الكريم، فمن لا يعرف الله ولا يتَّقيه ويخشى حدودَه ما أهونَه أمام هذا الغول الهاجم! مع ما يلزم من العلم والحلم والبصر الحديد والرأي الرشيد؛ إذ لا جدوى بأن توصف العولمة بأنها الدجال، ولا أن يُهوَّنَ من سلبياتها بوصفها مغنمًا مهما كانت الأحوال.

ولقد تحدَّث الشاعر محمد إقبال عن الأقوام المغلوبة كيف خدعت الأقوام الغالبة عن نفسها وزينت لها"نفي الذات"، ويضرب مثلًا: قطيعًا من الغنم تسلطت عليه الأسود، تصول عليها، وتنال منها ما شاءت كلما شاءت، ففكَّر كبش في أمر جماعته، فبدا له أن يُضعِفَ في الأسود نزعةَ التغلُّبِ والصَّولة، وأن يصرفها عن الاعتداد بالقُوَى، فادَّعى أنه نبي مرسل إلى الأسود، ودعاها إلى الزهد والاستكانة وإنكار الذات، ونهاها عن أكل اللحم، وعلَّمها أن الجنة للضعفاء، وأن القوة خسران مبين، وقال:"يا ذابح الشاة، اذبَحْ نفسك، واغف عنها إن تكن عاقلًا، أَطبِقْ عينيك وأذنيك وشفتَيْك ليصعد فكرك فوق الفلك، إن هذه الدنيا مرعى العدم، فإياك أن تركن إلى هذا الوهم"، ويصور الشاعر رحمه الله أثر هذه الدعوة في الأسود بهذه الأبيات:

كانت الأُسْدُ جهادًا مَلَّتِ = وتمنَّتْ منه عيشَ الدَّعَةِ

عن هوًى أصغتْ إلى النصح المنيمِ = ودهاها الكَبْشُ بالسِّحْرِ العظيمِ

جوهرُ الآساد أضحى خَزَفًا = حين أضحى قوتُهُنَّ العَلَفَا

ذهَبَ العُشْبُ بنابٍ عَسِرِ = أطفَأَ الأعينَ ذاتَ الشَّرَرِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت