الصفحة 27 من 31

إن للمعرفة اليوم - ولو فيما يعتبر ضروريًّا من الدين - مدةَ صلاحية محدودة لا تتجاوز عددًا محدودًا من السنين، ليس لأن ذلك الضروري قد تغير، فللدين ثوابته وأركانه القارة، ولكن سبل تبليغه، وشكل تلقينه يتطور يومًا بعد يوم، هذا في الأمر الثابت الضروري العام بين أفراد مجتمع إسلامي يعرف ربه وينشر دينه، فكيف بالعلوم المتطورة بفعل الاكتشاف أو الإبداع أو الاجتهاد، سواء منها الدينية، أو الاجتماعية، أو السلوكية، أو الصناعية، أو القانونية، أو التكنولوجية!

فتعليمٌ عالٍ لا يعتمد منهاجَ تكثيف التدابير في شتى المهارات لطلابه المسجلين والمتخرجين على السواء، ولا وجود فيه للتكوين المستمر بدرجات تماثل تكوينه النظامي - محكومٌ عليه بالانزواء في الزمن المعاصر.

والأستاذ الذي لا يبلور معارفَه ويدرس نفس المادة بنفس المنهج مدة تزيد على ثلاث أو خمس سنوات معرَّضٌ للتهميش، ومؤسسة لا دور للطلاب والمتخرجين فيها للتعبير عن رغباتهم، وتوصيل الإدارة والأساتذة اقتراحاتهم وانتقاداتهم - لن تستطيع المنافسة في جو عالمي يتميز بمزيد من الحرية، وكثير من الانفتاح، ويجبِرُنا نحن أهلَ الإسلام على تفعيل الشورى وترسيخ المرجعية الإسلامية ونشرها على مستوًى عالمي لمنابر الدعوة الإسلامية، وتهيئة الفئات الشابة لما ينتظرهم من واجب عالمي، وإعدادهم لما فسح لهم من تمكين دولي لتبليغ الرسالة السمحة، والدفاع عن قيم الفطرة.

بقي أن نذكر أن هذا الذي أشرنا إليه من ضرورات، إذا لم يصاحبه انقلاب في العادات، وثورة في الأفكار والرؤى والتصرفات - فإنه لا سبيل للنهوض الحقيقي للأمة وإن توافرت تلك الضرورات، واستجمع لها على مستوى التعليم بعض ما يلزم من الشروط، فينبغي أن تُهيِّئَ المجتمعات الإسلامية نفسها للتعامل مع شعوب مرتفعة فيها معدلات العلمنة بشكل كبير.

كما يلزم أن يصبح التعاون بين المنظمات العربية والإسلامية، وخاصة مع منظمة الإيسيسكو والمعاهد والمؤسسات التي انتدبت نفسها لخدمة العلم، أمرًا عاديًّا بينها وبين مؤسسات التعليم العالي، وأن تُصاغَ لذلك القوانين وترصد الميزانيات.

ونقول ختامًا: إننا إذا كنا نود الاستراحة يومين في الأسبوع، ونشتغل من الضحى إلى الظهر في الأيام الخمسة الباقية، ونستريح قرابة الشهرين في السنة بين عطل رسمية وإجازة سنوية - فبيننا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت