الصفحة 4 من 31

مع العلم أنه كثيرًا ما يُنعَتُ بالتعليم الجامعي؛ لأن الطلاق البائن الذي يقع بين معظم الطلاب المتخرجين وبين جامعاتهم ومعاهدهم التي تخرجوا منها، وعدم استعداد هذه الأخيرة لإعادة تأهيلهم لما استجد من علوم وفهوم، ولا تَبنِّيها نظامَ تكوين مستمرٍّ مفتوح على الدوام في وجههم - يجعل من الأليقِ وصفَه بالتعليم الأخير.

وحسبنا التذكيرُ في هذا الصدد بتعريف البيان الأخير لليونسكو حول"التعليم العالي للقرن الحادي والعشرين: الرؤية والعمل" [1] .

فقد حدَّد هذا البيان مفهوم"التعليم العالي"بكونه ذلك التعليم الذي يحتوي كلَّ شكل من التدريس، أو التكوين، أو التأهيل للبحث، والملقن في مستوى ما بعد الثانوي من طرف مؤسسة جامعيَّة، أو غيرها من مؤسسات التعليم المعترف بها من طرف السلطات المختصة للدولة.

* العقلية العلمية:

العقلية العلمية تقتضي عند الإنسان مالكِها قدرةً على تفعيل عقله في بحور العلوم، وتأثير هذه العلوم عبر الاستيعاب لمضمونها والوعي بقوانينها على ملَكَات عقله؛ فهي استيعابٌ ووعيٌ وفهم واستنباط للعلوم وفنونها بتعقُّل ووعي وإدراك، وصقلٍ، وتطوير، وتنشيط، في عملية عكسية من هذه العلوم لملكات العقل والوعي والإدراك عند صاحب العقلية.

وانطلاقًا من هذا التحديد تكون العقلية العلمية - وهي شيء متحرك وقابل للنمو والذبول معًا - هي النتيجة الحتمية لتفعيل أدوات العقل من سمع وأبصار وأفئدة، نقول: أبصارٌ بالجمع وليس بصرًا بالمفرد؛ لأن قراءة كتابِ الوحي وكتاب الكون الضرورية لتكوين وتطوير وترسيخ العقلية العلمية تحتاج إلى جانب البصر إلى أبصار في الوعي والإدراك والتذكر، لفهم بصائر في كلا الكتابين لا حد لها ولا حصر، تزداد بها العقلية العلمية قوة واتِّساعًا كلما صارت في درب اكتشافها شبرًا أو ذراعًا، في كتاب الوحي وكتاب الكون من جهة، وفي كافة العلوم المستوحاة منها من جهة أخرى، وتأثير التبحُّر في هذه العلوم والقراءة المستمرة والمتجددة في كلا الكتابين على جوانب الصقل والتقوية والتطوير لفعل تلك الأدوات من سمع وأبصار وأفئدة.

* الملكة النقدية:

وهي ملكة لا يملِكُها إلا السَّويُّ، الذي يستطيع أن يلاحظ الخلَل، ويتبين مواطن النقص، ويتعرف على أماكن الضعف، لا يحسن امتلاكَها واستخدامها إلا من له قدَمٌ راسخة في شتى

(1) البيان العالمي حول التعليم العالي للقرن الحادي والعشرين: الرؤية والعمل"، الصادر عن المؤتمر العالمي لمنظمة اليونسكو بباريس، بتاريخ 9 أكتوبر 1998 م."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت