في ذكر الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة، لا على ضوء ما تمليه ضغوط العولمة - سيُجنِّبُنا العمل بتلك الوصايا التي تنصحنا باغتراف تكنولوجيا الموت في وجه فن الحياة.
فلقد أخذ الخطاب التحذيري من الغفلة عن السباق التكنولوجي مع ما يصاحبه من تهويل مُفرطٍ للتقدم في مجال الاتصال، وتوفير المعلومات - شكلًا من الترهيب الذي يغرس في النفس التسليم بقوة مالكي زمام التفوق التكنولوجي في هذه العلوم، ويضعف الذات التي تحتاج إلى الجهد الكبير لتكون في مستوى الذكاء الصناعي للحاق بركب علوم الاتصال وتدبير المعلومات المعاصرة، ونحن نحتاج لمواجهته إلى الثقة بالنفس، والإيمان بأننا نستطيع التغيير والتمكن من تحديد المصير.
أكيد أننا نحتاج إلى إتقان السباق في درب اكتساب تكنولوجيا المعلومات، التي بدأ مفعولها الدولي بخُطًى بطيئة في أواخر السبعينيات، وأضحت اليوم شيئًا عَلَمًا بعد أن اكتسحت معظم ساحات النشاط الاجتماعي والثقافي والعلمي، والأمر ليس بالشيء الهين؛ فلقد احتاجت فرنسا لعشر سنوات لتعميم شبكة المنيتيل (Minitel) على 25000 مشترك، بيدَ أن شبكة الإنترنت تشهد ولادة ما يزيد على 1000000 موقع كل شهر في العالم، وهذا ما اعترف به رئيس الوزراء الفرنسي الحالي ليونيل جوسبان حين أقدم على ثورته المعلوماتية سنة 1997 م؛ (انظر الملحق المخصص لعرض هذه الثورة لمزيد من الاستفادة) .
وهذه الثورة المعلوماتية الفرنسية المعاصرة تدل دلالة واضحة على أن التعليم العالي لا يمكن أن يقوم بأعباء التغيير وحده، بل على أجهزة الدولة العليا أن تقوم بثورة كبرى، وتغيير جذريٍّ في عدة مجالات، وعلى أعلى المستويات؛ لكي يؤدي التعليم العالي واجبَه اليوم على شكل يسمح للمجتمع بسد الفجوة التي تفصله عن التقدم الضروري والمواكب للتطورات العلمية المعاصرة، مع الحفاظ على هويته الذاتية، وقيمه الثقافية والحضارية.
فصناعة الملتيميديا (multimedia) ، أو صناعة الاتصال متعدد الوسائط، التي تضم صناعات الكمبيوتر والاتصال، وصناعات السمعي ـ البصري - تُشكِّلُ اليوم أحد المحركات الكبرى والضخمة للتنمية، ومنجمًا هامًّا لسوق العمل.
وأضحى علم الاتصال يكتسي حيويَّة إستراتيجية، وأداة هامة من أدوات التنافس، يضاف إلى ذلك أن نسبة الذكاء في الصناعة الحديثة عالية جدًّا، وكل مجتمع لا يفرز أذكياء بالعدد المطلوب ويتبنى التعليم المفرز للأذكياء، ويقوي في مجتمعه قيمَ احترامِ وبلورةِ الذكاء، مُعرَّضٌ - إن عاجلًا أو آجلًا - للاندحار والذَّوبان.