وبدهيٌّ أن تعليم التكنولوجيا المعاصرة يبدأ في المدارس الابتدائية؛ فعدم وجود وسائل الاتصال من كمبيوتر ووصل بشبكة الإنترنت بهذه المدارس وبمختلف مراكز ومؤسسات التعليم - يجعل إمكانيَّات التعليم تتفاوت، وحظوظ كسب المعارف تعزز من الفوارق الاجتماعية؛ لكون أبناء الأغنياء وذوي الدخل المتوسط سيتفوقون - حتمًا - على أبناء الفقراء وذوي الدخل المحدود، لتوفُّر الأوَّلين على إمكانات اقتناء الكمبيوتر والاشتراك في شبكة الإنترنت - إن لم يكن شيئًا عاديًّا من أثاث بيوتهم - بيدَ أن الآخرين لا يجدون لذلك سبيلًا إلا عن طريق مقاهي ونوادي الإنترنت، مما يزيد ذويهم كلفةً إضافيةً لا يطيقها إلا القليلُ منهم، رغم ضيق الوقت وضغط المناخ الذي يشعر به الطالب أو الباحث في المقهى أو النادي مقارنةً مع الجو العلمي الذي يحسُّ به وهو يمارس بحثَه عبر أدوات مماثلة في بيته، أو داخل الحرم الجامعي.
فالحثُّ على الذكاء، وإعداد رجاله أمر لا تقوم به المؤسسة التعليمية وحدَها - وإن كانت صاحبة الحظ الأكبر فيه - فإلى جنبها يقوم المجتمع - وعلى رأسه الدولة - بما عليه من الواجب، تقوم الأسرة كذلك بما يلزمها في هذا الصَّدَدِ، فأمران لا يجتمعان: فن وتعفن.
فعلى الدولة إزالةُ ما يُسهِمُ في تعفُّنِ الحياة الاجتماعية، والاستثمار في ازدهار الفنون، وفرض احترام الفن والعلم، وتعزيز قيمها في المجتمع: من حرية، وتشجيع المبادرات الطيبة، وحماية البيئة، وحب العلم، والحفاظ على العدل، واحترام الحقوق، وتكريم الجمال في الصَّنعة والعمران والهِندام.
كما على الأسرة القيامُ بقسط كبير من ذلك؛ حيث يمتثل أفرادها لما تمليه هذه القيم النبيلة: من سلوك، وواجبات، وتصرفات؛ فينشأ النشء حريصًا على العلم، مدافعًا عن العدل، محبًّا للجمال، نافرًا من كل ما يشينُ بالذات والمجتمع على السواء.
ومن المخاطر التي تهدد تعليمنا - نظرًا لغياب الإستراتيجية الشمولية في مجال تحديث أدوات التعليم، وإدخال وسائل الاتصال المتطورة كمنهل حديث للتزوُّدِ المعرفي - اتِّساعُ الفجوة بين طبقات المجتمع لوجود مؤسسات تربوية - وخاصة في القطاع الخاص - قد دخلت عصر التكنولوجيا الحديثة جاعلةً منه أداةً لاستجلاب العديد من الزبناء، بَيْدَ أن العديد من المدارس العمومية والخاصة يفتقر لأدنى وسائل البيداغوجية التقليدية، فضلًا عن تكنولوجيا المعلومات والاتصال المعاصرة، كما أن نفس الداء سيزيد من اتِّساع الهُوَّة بين المدينة والقرية، وسيجعل القرية تَئِنُّ أكثر من ذي قبلُ، ليس فقط لافتقارها إلى المؤسسات والأطر الضرورية، ولكن