الصفحة 13 من 31

وهذا ما جعلها بعيدةً عن مبدأ المساواة الذي ينبغي أن يطبَع كل مؤسسة تربوية، وخاصة تلك التي تُعنى بالمستويات العالية.

فابن الرِّيفيِّ أو ابن العائلة الفقيرة لم تَعُدْ له نفس الحظوظ للانخراط في التعليم العالي مثل ما كان عليه الأمر مثلًا - على ضآلته - في بداية استقلال معظم دول العالم الإسلامي.

إن تطور العلوم والتكنولوجيا والتغيير الحاصل في مجالات التشغيل، وتنوع الخبرات المِهنيَّة، واعتماد الاقتصاد على نظام جديد تقلصت فيه نسبة تدخل الدولة، ونما فيه جانب تدخل القطاع الخاص، كل ذلك وغيره من آثار العولمة وتحرير السوق يدفع التعليم العالي إلى ضرورة المراجعة الشاملة لمواجهة تحديات تهدد بقاءَه إذا لم يُقدِمْ على تغيير في المستوى المطلوب.

ففي الوقت الذي كانت فيه نسبة تدخل الدولة كبيرة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية، كانت الجامعة، ومعها مؤسسات التعليم العالي، تسعى لسد حاجات الدولة وإدارتها ومؤسساتها من الأُطُر والموظَّفين في شتى التخصصات، أَمَا وقد بدأ - بفعل عوامل عدة، منها: عولمة السوق، وتحرير الاقتصاد وربطه بقوانين وتيارات دولية - مجال الدولة يتقلَّصُ في الاقتصاد والمجتمع، ومن ثَمَّ في مستقبل التربية والشغل، فإن كُبرَيات الجامعات بالدول الصناعية قد انكبَّت على الاهتمام بالطالب من جهة، والبحث عن موارد من القطاع الخاص من جهة أخرى.

بل نجد في العديد من الدول السلطةَ المركزية للقضايا التربوية تدفع الجامعات إلى نوع من الاستقلال في الميزانية المالية، وحثِّها على البحث عن الموارد في القطاع الخاص، أو من خلال بيع بعض منتوجِها المعرفي، أو توظيف خبراتها العلمية.

ولا نخالُ دولَنا التي ألِفت الاطمئنان إلى النقل الشديد والحِرفيِّ لما تقدم عليه دول العالم الأول ومن حولها إلا سالكةً نفس النَّهْج - وخاصة حين اشتداد الأزمة وقلة الموارد - دون تبصُّرٍ بالعواقب أو دراسة للمزايا والمفاسد.

وهو ما يُنذِرُ بمشاكل عديدة في الغدِ القريب، ليس لسوء الفكرة، ولكن لسوء النقل، وتلهف على التبعيَّة مع قلة الخبرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت