الحمد لله ذي القوة المتين، خلق الإنسان علمه البيان، وأقدره على التبيين، والصلاة والسلام على محمد صفوة النبيين، وإمام المرسلين، وعلى آله وصحبه الغُرِّ الميامين، وعلى من اقتفى سبيلهم، واهتدى بهديهم إلى يوم الدين.
أما بعد: فإن التجربة النقدية العربية ضاربة بجذورها في عمق التاريخ، وما حوليات زهير إلا دلائل بينة على ما كان الشعراء يأخذون به أنفسهم خشية أن تطالهم سهام النقد، فيغدو الشاعر شويعرا أو شعرورا، وكان يرضى أن يباع في سوق نخاسة الشعر، فيكون من مدرسة عبيد الشعر، على أن يتحرَّر من رِبقة القريض، فيغدُوَ حرا من العامة التي خبت فيها جذوة الشاعرية.
وقد امتلك النقاد الأوائل أرمدة من المصطلحات، كانت توظف باقتدار لتستجلي (الشعرية) ، وتنزل أصحابها المنزلة اللائقة بكل واحدٍ، بلا وكس ولا شطط، ولعلَّ مصطلح"الفحولة"، هو أكثر تلك المصطلحات رواجا، إذ لا نكاد نمر بمصدر نقدي، أو كتاب له تعلق بالشعر من قريب أو بعيد إلا وجدنا لذاك المصطلح ذكرا فيه ذكرا.
ومن بين النُّقَّاد الأكثر احتفاء بمصطلح"الفحولة"شيخ العربية عبد الملك بن قُريب الأصمعي البصري، لسان العرب، وأحد مشاهير المشتغلين بالأدب، أخذ عن علماء العراق والشام والحجاز، وكان طوافا بالبادية كالحفَظة يكتب لفظ اللَّفَظَة، روى عن أبي عمرو بن العلاء وطبقته. وكان محفوظه من الشعر مئات الألوف من الأبيات، الأراجيز منها ستة عشر ألف أرجوزة.