لكنهم ليسوا «من الفحول ولا من الفرسان، ولكنهم من الذين كانوا يغزون فيعدون على أرجلهم فيختلِسُون» [1] . فهؤلاء كانوا لصوصًا، وليس كذلك فحولة الشعراء.
فمُنطَلَق الأصمعي في التمييز بين هذه الفئات -الفحول والفرسان والصعاليك- إيمانه الخفي بأنَّ من سِمات الفحولة عدم تطويع عملية الإبداع الشعري الأعلى للالتزام بأرضية خلقية أو فكرية أو حياتية محددة؛ فالنموذج الشعري الأعلى في نظر الأصمعي هو الشاعر القبلي الذي يضطرب شعره في آفاق المعاناة الجماعية وتفاصيلها غير المحددة، فضلا عن خوضه تفاصيل التجارب التقليدية في افتتاح قصائده من بكاء الديار والنسيب والرحلة ... إلخ. وتلك معالم لم تكن ممتدة إلى قصائد الفرسان والصعاليك، فذلك الذي ميزهم من الفحول. أمَّا قَبول الأصمعي تقويم بعض الفرسان ضمن (الفحول) كطفيل الغنوي مثلا؛ فلعله رأى في شعره انشدادا إلى المعاناة القبلية يطغى على نزعة الفروسية التي اشتهر بها عند أصحاب الأخبار والسير، فكان أَن انطلق من نظرته إلى الشعر لا إلى الشاعر في ميدان التقويم [2] .
5 -الرصيد الشعري: فلا يكون الشعر صفةً غالبةً على المرء إلاَّ إذا توفَّر على رصيد شعري مُعتَبرٍ، والفحل من الشعراء هو الذي يُعنى بشعره، فيجمع فيه بين الوفرة والجودة؛ فالفحل: «هو من يجمع إلى جودة شعره رواية الجيد من شعر غيره» [3] . يقول
(1) نفسه.
(2) انظر: محمود عبد الله الجومرد، جهد الأصمعي النقدي. ص 220.
(3) القيرواني، الحسن بن رشيق، العمدة في محاسن الشعر وآدابه. ج 1 ص 73.