أن الموهبة الشعرية لا تنفك عما اشترطه الأصمعي؛ فالذي يكلف نفسه حفظ أشعار العرب والإحاطة بأنسابها وأيامها وتتبع أخبارها، ثم هو مع ذلك خبير بصناعة الشعر وما يتطلبه من وافر اللَّفظ ومعرفةٍ بمواقع المعاني، فمثل هذا لا ينبعث إلى فعل ذلك إلا عن موهبة وطبيعة مستقرة.
1 -الذكورة: فالشاعر الفحل لابد أن يكون ذكرا، ولا حَظَّ للإناث في الفحولة، وهذا مُقتضى ما استقرَّ في الأذهان من ضَعف الشاعرية النِّسوية؛ فقد «قيل للفرزدق: إن فلانة تقول الشعر، قال: إذا صاحت الدجاجة صياح الديك فلتُذبح» ، و «قال بشار بن بُرد: لم تقل امرأة شعرًا قط إلا تبيَّن الضعف فيه، فقيل له: أوَ كذلك الخنساء؟ فقال: تلك كان لها أربع خُصًى!» [1] ؛ يعني: أنَّ فحولتها الشعرية كانت تعدل فحولة رجلين.
هذا الجواب من بشار يُحدث الفرق، ويُنشئ الاستثناء؛ فالفحولة صفة للرجال، ولكن العرب عرفت الفحلات، وهن النساء السليطات؛ أي: الفصيحات حديدات اللسان، اللواتي لهن قدرة على قهر الرجال بصخبهن. فلا عجب أن يكون من العربيات فحلات في القريض، ولا أدلَّ من اعتداد العرب بشاعرية النساء ممَّا أبدوه من اهتمام بنسائهم
(1) المبرد، محمد بن يزيد، الكامل، تح: محمد أحمد الدالي، مؤسسة الرسالة، سورية، ط.3، 1997. ج 3 ص 1397.