الصفحة 14 من 51

ولعله لذلك لا نظفر -في ما بأيدينا من المصادر- بمن وصف شاعرات بالفحولة، حتى أولئك الذين وَسَّعوا دائرتها من المتأخرين.

2 -إدراك الجاهلية: الشعر العربي تَرِكةٌ جاهلية في أصوله وقواعده وأغراضه وكل ما يتَّصل به، فالجاهليون أعرف به من غيرهم، ويمتنِعُ -باديَ الرأي- أن يتفوَّق عليهم فيه من جاء بعدهم، فمن أجمعوا على تقديمه فهو المُقدَّم، حتى وإن كان غيره أولى بالتَّقديم منه في بعض الأحيان، وقد كان الأصمعي على وعي تام بهذه القضية؛ فهو يُعلِّق على قصيدة النابغة الجعدي التي يقول فيها:

تِلكَ المَكارِمُ لا قَعبانِ مِن لَبَنٍ ... شِيبا بِماءٍ فَعادا بَعدُ أَبوالا

فيقول: «لو كانت هذه القصيدة للنابغة الأكبر بلغت كل مبلغ» [1] . يعني: لأنَّ النابغة الذبياني هو رأس الفحول، والحَكَم بين الشعراء، فلو كان قال هذه الأبيات لطارت شُهرتها في الآفاق، لشُهرة صاحبها، وتلقُّف الناس أشعاره.

ولذلك نجد ظاهرَ تصرُّف الأصمعي يُوحِي بأن (الفحولة) حِكرٌ على الجاهليين من الشعراء أمثال امرئ القيس والنابغة الذبياني، أو على من أدرك زمن الجاهلية أمثال كعب بن جعيل. ويشرح الأصمعي سبب ذلك؛ بما يرويه عن شيخه الذي كان يُكثر الاستشهاد به؛ فيقول: «جلست إلى عمرو بن العلاء ثماني حجج، فما سمعته يحتج ببيت إسلامي، وسئل عن المولدين فقال: ما كان من حُسنٍ فقد سُبقوا إليه، وما كان

(1) الأصمعي، عبد الملك بن قريب، فحولة الشعراء. ص 11.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت