6 -التوازن بين الطبع والصنعة: فلبيد بن ربيعة ليس فحلا في نظر الأصمعي؛ لأنَّ شعره «كأنه طيلسان طبري، يعني: أنه جيد الصنعة، وليست له حلاوة» [1] ، ومهلهل بن ربيعة: «ليس بفحل» ؛ لأنَّه عَجَزَ أن يشفع رائيته التي مطلعها:
ألَيلَتَنَا بذِي حُسُمٍ أَنِيري ...
بأخرى، فأقعَدَته شاعرِيَّتُه عن درجة الفحولة، لتُلصِق به العرب لقَب (المهلهل) الذي يُفيد «الركون إلى أول بادر، دون عنايةٍ بالصنعة الفنيّة. مُستَهجِنِين هذا الاعتماد الصِّرف على الطَّبع. فأحد الأوجه الإشاريّة للقب المهلهل هو: سُخفُ النَّسج في شعره، وبالنتيجة رداءة شعره. قال ابن منظور: «ويُقال: هلهل فُلانٌ شعره، إذا لم يُنقِّحه وأرسله كما حضره؛ ولذلك سُمي الشاعر مُهَلْهِلًا» [2] . فهلهلة الشعر إذن قد تكون لعجز الشاعر أو لإهمال الصنعة والرضا بأول خاطر، والفحولة الشعرية تقتضي «ترك التكلّف، ورفض، التعمّل، والاسترسال للطبع، وتجنُّب الحمْل عليه والعنف به؛ ولستُ أعني بهذا كُلَّ طبْعٍ، بل المهذّب الذي قد صقله الأدب، وشحذَتْه الرّواية، وجلَّتْه الفِطنة، وأُلْهِمَ الفصل بين الرديء والجيد، وتصوّرَ أمثلة الحُسن والقُبح» [3] .
وإنما طولِب (الفحل) بالجمع بين الصنعة والطبع، لأن لكل منهما نكهته الخاصة؛ فـ «الكلامُ الجيد الطبع مقبول في السمع، قريبُ المِثَال، بعيد المَنَال، أنيق الديباجة، رقيق
(1) الأصمعي، عبد الملك بن قريب، فحولة الشعراء. ص 15.
(2) ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب. ج 11 ص 701.
(3) الجرجاني، علي بن عبد العزيز، الوساطة بين المتنبي وخصومه. ص 31.