الزجاجة، يدنو من فَهْم سامعِه، كدنوّه من وهم صانعه. والمصنوع مثقف الكعوب، معتدلُ الأنبوب، يطَّرد ماءُ البديع على جَنَبَاته، ويجول رَوْنَق الحسن في صفحاته، كما يجول السّحْر في الطَّرْف الكحيل، والأثرُ في السيف الصقيل. وحمل الصانِع شعره على الإكراه في التعمل وتنقيح المباني دون إصلاح المعاني يُعْفي آثار صنعته، ويطفئ أنوار صيغته، ويخرجه إلى فسادِ التعسّف، وقُبْح التكلّف، وإلقاءُ المطبوع بيده إلى قبول ما يبعثه هاجسُه، وتنفثه وساوسه، من غير إعمال النظر، وتدقيق الفكر، يخرجه إلى حَدّ المشتهر الرثّ، وحيّز الغثّ. وأحْسَنُ ما أُجري إليه، وأعول عليه، التوسّط بين الحالين، والمنزلة بين المنزلتين، من الطبع والصنعة» [1] .
وهذا المَسلك المُتوازن هو الذي سار عليه شعراء الجاهلية؛ فـ «مِنْ شعراء العرب مَن كان يدع القصيدةَ تمكُثُ عنده حولًا كَريتًا، وزَمنًا طويلًا، يُردِّد فيها نَظَرَه، ويُجِيل فيها عقله، ويقلِّب فيها رأيَه، اتّهامًا لعقله، وتتبُّعًا على نفسه، فيجعل عقلَه، زِمامًا على رأيه، ورأيَه عِيارًا على شعره؛ إشفاقًا على أدبه، وإحرازًا لما خوّله اللَّه تعالى من نِعمته، وكانوا يسمُّون تلك القصائدَ: الحوليّاتِ، والمقلَّدات، والمنقَّحات، والمُحكَمات؛ ليصير قائلها
(1) انظر: الحُصري، إبراهيم بن علي، زهر الآداب وثمر الألباب، تح: صلاح الدين الهواري، المكتبة العصرية، لبنان، ط.1، 2001. ج 3 ص 283.