لم يقرَع قطّ سمعه، ولا مرّ بخلَده؛ كأنَّ التَّوارُد عندهم ممتنِعٌ، واتفاقَ الهواجس غيرُ ممكن! وإن افترع معنى بكْرًا، أو افتتح طريقًا مُبهمًا لم يرض منه إلا بأعذب لفظ وأقربه من القلب، وألذِّه في السمع؛ فإن دعاه حبُّ الإغراب وشهوة التنوّق إلى تزيين شعره وتحسين كلامه، فوشّحه بشيء من البديع، وحلاّه ببعض الاستعارة قيل: هذا ظاهرُ التكلف، بيّن التعسف، ناشف الماء، قليل الرونق. وإن قال ما سمحتْ به النفس ورضي به الهاجس، قيل: لفظ فارغ وكلام غسيل؛ فإحسانه يُتأوّل، وعيوبه تُتمحّل، وزلته تتضاعف» [1] .
3 -بدوية اللغة: لغة الشاعر الفحل لابد أن تكون فيها حِدَّة نَجدٍ، نابتة في سُرَّة البادية، وفي مَعدِن الفَصاحة؛ وقال الأصمعي: «كانت الرُّواة لا تروي شعر أبي دؤاد ولا عدي بن زيد، لمُخالفتها مذاهب الشعراء، وكان أبو داود على خيل المنذر بن ماء السماء فأكثر وصفه للخيل» [2] ، وفي رواية: «لأن ألفاظهما ليست بنجدية» [3] ، وهذا المعنى إنما
(1) انظر: الجرجاني، علي بن عبد العزيز، الوساطة بين المتنبي وخصومه. ص 52.
(2) الأصفهاني، علي بن الحسين، كتاب الأغاني، تح: إحسان عباس وزميلاه، دار صادر، لبنان، ط.3، 2008. ج 16 ص 259.
(3) نقله أبو الحسن الجرجاني؛ واعترضه بقوله: «وكيف يكون ذلك؟! وهذا معاويةُ يفضّل عديًا على جماعة الشعراء. وهذا الحطيئة يُسأل: مَن أشعر الناس؟، فيقول: الذي يقول، وأنشد لأبي دؤاد:
لا أعُدُّ الإقْتار عُدْما ولكنْ ... فقْدُ من قد رُزئتُه الإعدامُ
من رجال من الأقارب ماتوا ... من حُذاق هم الرّؤوس الكِرامُ
فيهمُ للمُلاينين أناةٌ ... وعُرام إذا يُراد عرام»
انظر: الجرجاني، علي بن عبد العزيز، الوساطة بين المتنبي وخصومه. ص 53.