الصفحة 19 من 51

إلى تخلخل التركيبة البشرية للمجتمع العربي، الذي دخل فيه الكثير من العجم، وأدخلوا معهم لغاتهم وعوائدهم، ولم يعُد من السهل التعرف على الأنساب وضبطها لتفرق أهلها في البلاد.

لكن مع ذلك، فقد وُجد في هذا الجيل فحول، منهم مَن تقدَّم ذكرهم، وآخرون غيرهم «فيهم مَن نحلَ القدماء شعرَه - كحمّاد الراوية وخلَف الأحمر وابن دأْب وأضرابِهم - فاندمج في أثناء شعرهم، وغلب في أضعافه، وصعُب على أهل العناية إفرادُه وتعسّر، مع شدة الصعوبة حتى تكلّف فلْي الدواوين واستقراءَ القصائد فنُفِي منها ما لعلّه أمتن وأفخم، وأجمع لوجوه الجوْدة وأسباب الاختيار مما أثبت وقُبِل. وهؤلاء مُحدثون حضريّون، وفي العصر الذي فسد فيه اللسان، واختلطت اللغة وحُظِر الاحتجاجُ بالشعر، وانقضى مَنْ جعله الرواة ساقة الشعراء» [1] .

ولذلك يرى الجُرجاني أنه: «لو أُنصف أصحابُنا هؤلاء [2] لوُجِد يسيرُهم أحقّ بالاستكثار وصغيرهم أولى بالإكبار؛ لأن أحدهم يقفُ محصورًا بين لفظ قد ضُيِّق مجاله، وحُذِف أكثره، وقلّ عدده، وحُظِر مُعظمه. ومعانٍ قد أُخذ عَفوُها، وسُبِق إلى جيّدها؛ فأفكاره تنبثّ في كل وجه، وخواطره تستفتِح كل باب؛ فإن وافق بعضَ ما قيل، أو اجتاز منه بأبعد طرفٍ، قيل: سرق بيت فلان، وأغار على قول فلان. ولعل ذلك البيت

(1) انظر: الجرجاني، علي بن عبد العزيز، الوساطة بين المتنبي وخصومه، تح: محمد أبو الفضل إبراهيم وعلي محمد البجاوي، المكتبة العصرية، لبنان، ط.1، 2006. ص 24.

(2) يعني: المُحدَثين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت