الأعشى فشبه جريرًا به. قال أبو عمرو: وكان جرير أشبه بالأعشى منه بامرئ القيس، ومن شبَّه فحول الإسلام بفحول الجاهلية شَبَّه جريرًا بالأعشى. قال: وكان ذاك عند جرير؟ قال: نعم، كانا بَازِيَين يَصيدان ما بين العندليب إلى الكُرَكِى!» [1] . فهذا اعتراف من أبي عمرو بن العلاء -شيخ الأصمعي- بأنَّ في الإسلام فُحولًا، كما أنَّ في الجاهلية فحولا، لكن قُصارى أمر أولئك الفحول الإسلاميين أن يكونوا مُشابهين للفحول الجاهليين.
ولعلَّ الظروف المُحيطة بالقوم في تلك الفترة دفعتهم إلى تبني ذاك الموقف الصارم، حتى تبقى للموروث العربي من الشعر هيبته ومكانته، ويُحتَفَظ به أنموذجًا يُنسَج على منواله، ومثلا يُحتذى به، ولا يُمكن تجاوزه أو مجاراته. هذا الموقف اتخذه أولئك النقاد نَقَلَة العربية ورُواتها وأعلم الناس بها، ربما ردا على الشعوبيين الذين كانوا يحتقرون الجنس العربي ويَروَنه عَرِيًّا عن كل فضيلة، ولعل ما يُؤكِّد هذا الزَّعم أولئك المحدَثون الذين راموا الخروج عن ذاك العمود الشعري، فقد كان أغلبهم من غير العرب.
والثاني: الصعوبة البالغة في تحقق الإسلاميين بتلك الشروط الصارمة التي ألحقت الصفوة من شعراء الجاهلية بمرتبة الفحولة الشعرية؛ فبالإضافة إلى بُعد العهد بالجاهلية وتَنسُّخ الكثير من سُنَنها، فإن ما وقع في الإسلام من وقائع وأحداث وغزوات وفتوح قد غطى على أيام العرب التي كانت حروبا ذات طابع محلي، إضافة
(1) انظر: أبو عبيدة، معمر بن المثني، الديباج، تح: عبد الله بن سليمان الجربوع وعبد الرحمن بن سليمان العثيمين، مكتبة الخانجي، مصر، ط.1، 1991. ص 5.