أشعارهم لِقُربها من الأفهام، وأنَّ الخواص في معرفتها كالعوام» [1] . فالباعث لأولئك المُحدَثين هو مجاراة أهل الزمان، فقد صار الجمهور لا يَطرَب لشعر المتقدمين لأنه لا يَفهمه، ومن جهل شيئا عاداه!، ولا حيلة للمتأخرين إلا أن يأتوا بـ (ما يطلبه المُستمعون) حتى لو ضحوا بفحولتهم الشعرية.
4 -غلبة صفة الشعر: الفحولة صفة عزيزة، تعني التفرد الذي يتطلب غلبة الشعر على كل صفات أخرى في الرجل؛ قال أبو حاتم: «قلت: فحاتم الطائي؟ قال: حاتم إنما يُعَدُّ بكرم، ولم يقل إنه فحل» [2] . فشهرة حاتم بالجود لا بالشعر، فلا يمكنه أن يتسنم ذروة الفحولة. وقال في أبي دؤاد الإيادي: «صالح، لم يقل إنه فحل» [3] ؛ لأنه -مع كون ألفاظه غير نجدية-، فإنه «كان وصافًا للخيل، وأكثر أشعاره في وصفها، وله في غير وصفها تصرف بين مدح وفخر وغير ذلك، إلا أن شعره في وصف الفرس كَثُر» [4] ؛ بحُكم مهنته؛ فقد كان قائما على خيل المنذر بن النعمان بن المنذر.
وزيد الخيل الطائي عند الأصمعي من الفرسان [5] ، أمَّا خُفاف بن ندبة وعنترة والزبرقان بن بدر وعباس بن مرداس السلمي فـ «هؤلاء أشعر الفرسان، لم يقل إنهم من
(1) ابن رشيق ج 1 ص 58.
(2) الأصمعي، عبد الملك بن قريب، فحولة الشعراء. ص 14.
(3) نفسه. ص 12.
(4) الأصفهاني، علي بن الحسين، كتاب الأغاني. ج 16 ص 256.
(5) الأصمعي، عبد الملك بن قريب، فحولة الشعراء. ص 15.